للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

يكون من نفسه، فلا منافاة أن تكون سيئة العمل وسيئة الجزاء من نفسه، مع أن الجميع مقدر كما تقدم، وقد روي عن مجاهد عن ابن عباس أنه كان يقرأ: فمن نفسك وأنا قدرتها عليك (١).

فالخير كله من اللَّه والشر -كله من النفس فإن الشر- هو الذنوب وعقوبتها والذنوب من النفس وعقوباتها مترتبة عليها واللَّه هو الذي قدر ذلك وقضاه وكل من عنده قضاء وقدرا وإن كانت نفس العبد سببه بخلاف الخير والحسنات فإن سببها مجرد فضل اللَّه ومنه وتوفيقه كما تقدم تقريره ومنها أنه سبحانه لما رد قولهم أن الحسنة من اللَّه والسيئة من رسوله وأبطله بقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ رفع وهم من توهم أن نفسه لا تأثير لها في السيئة ولا هي منها أصلا بقوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِك﴾ [النساء: ٧٩] وخاطبه بهذا تنبيها لغيره كما تقدم ومنها أنه قال في الرد عليهم: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ولم يقل من اللَّه لما جمع بين الحسنات والسيئات والحسنة مضافة إلى اللَّه من كل وجه والسيئة إنها تضاف إليه قضاء وقدرا وخلقا وأنه خالقها كما هو خالق الحسنة فلهذا قال: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهو سبحانه إنما خلقها لحكمة فلا تضاف إليه من جهة كونها سيئة بل من جهة ما تضمنته من الحكمة والعدل والحمد وتضاف إلى النفس كونها سيئة ولما ذكر الحسنة مفردة عن السيئة قال: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ ولم يقل من عند اللَّه فالخير منه وأنه موجب أسمائه وصفاته والشر الذي هو بالنسبة إلى العبد شر من عنده سبحانه فإنه مخلوق له عدلا منه وحكمة ثم قال: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ ولم يقل من عندك لأن النفس طبيعتها ومقتضاها ذلك فهو من نفسها والجميع من عند اللَّه فالسيئة من نفس الإنسان بلا ريب والحسنة من اللَّه بلا ريب وكلاهما من عنده سبحانه قضاء وقدرا وخلقا ففرق بين ما من اللَّه وبين ما من عنده والشر. لا يضاف إلى اللَّه إرادة ولا محبة ولا فعلا ولا وصفا ولا اسما فإنه لا يريد إلا الخير ولا يحب إلا الخير ولا يفعل شرا ولا يوصف به ولا يسمى باسمه (٢).

وبهذا يتبين فساد مذهب الجبرية، وبطلان استدلالهم بالآيات الكريمة، وأن جميع ذلك دليل عليهم وحجة عليهم لا لهم، فالعبد له قدرة واختيار وفعل وهو مع ذلك لا يخرج عن قدرة اللَّه تعالى ومشيئته، فاللَّه خالق، والعبد فاعل، وباللَّه التوفيق.

* * *


(١) انظر: الحسنة والسيئة لابن تيمية (ص ٢٤).
(٢) انظر: شفاء العليل لابن القيم (ص ١٦٦).