للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

وذهب داود وابن حزم وجماعة آخرون إلى أن الوصية واجبة، قال ابن حزم: (الوصية فرض على كل من ترك مالًا … ) (١)، واستدلوا بدليلين:

الأول: قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيرًا الْوَصِيَّةُ} [البقرة: ١٨٠] قالوا: إن معنى (كتب) فرض، و (حقًّا) أي: فرضًا ثابتًا، وإذا كانت ذلك حقًّا ثابتًا على كل متق لله تعالى خائف من عقابه، فواجب على الناس كلهم أن يكونوا من المتقين.

الثاني: حديث الباب، قالوا: فهو يدل على الوجوب، ومعناه: ليس من حق المسلم أن يبيت ليلتين إلا وقد أوصى، بدليل رواية الدارقطني: (لا يحل لمسلم أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) (٢).

والقول الأول أظهر، وهو أن الوصية لا تجب إلا على من عليه دين أو عنده وديعة ونحو ذلك؛ لأن الله تعالى أوجب أداء الأمانات ولا يتم ذلك إلا بالوصية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

وأما الآية فلا دلالة فيها على وجوب الوصية، وإنما هي منسوخة بآيات المواريث، أو أنها خاصة بالأقارب غير الوارثين من الوالدين وغيرهما، كما سيأتي إن شاء الله.

وأما حديث الباب فلا دلالة فيه على الوجوب، إذ ليس في ألفاظه ما يفيد ذلك، كما تقدم، بل فيه ما يفيد عدم الوجوب، وهو قوله: "يريد أن يوصي، فجعل ذلك متعلقًا بإرادته، ولو كان واجبًا لم يكن كذلك.

وأما رواية (لا يحل) فإنها تحتمل أن يكون راويها ذكرها وأراد بنفي


(١) "المحلى" (٩/ ٣١٢).
(٢) "أطراف الغرائب" (١/ ٥٤٤) للدارقطني، وقد علقها البخاري (٥/ ٣٥٨ "فتح ")، وساقه الحافظ في "تغليق التعليق" (٣/ ٤١٦) بسند الدارقطني، وقد تفرد به عمران بن أبان الواسطي، عن محمَّد بن مسلم الطائفي، قال ابن عدي: (له غرائب عن محمَّد بن مسلم، ولا أعلم به بأسًا)، وقد حكم عليها المنذري بالشذوذ ["مختصر السنن"] (٤/ ١٤٣)، "الإعلام" لابن الملقن" (٨/ ١٠)].

<<  <  ج: ص:  >  >>