للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

فما يقع في نفسه معفو عنه؛ كأن يقع في نفسه أنه يطلق، أو يقع في نفسه أنه يعتق، فلا شيء عليه في ذلك، وهذا قول الجمهور.

قال الترمذي بعد حديث الباب: (والعمل على هذا عند أهل العلم، أن الرجل إذا حدث نفسه بالطلاق لم يكن شيء حتى يتكلم به ((١).

وذهب ابن سيرين والزهري ومالك في رواية عنه إلى أنه إذا طلق في نفسه وقع الطلاق، وقواه ابن العربي (٢)، مستدلين بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الأعمال بالنيات"، وبأن من كفر في نفسه فقد كَفَر، وبأن المصر على المعصية فاسق مؤاخذ وإن لم يفعلها، وبأنه ينفعه إيمانه وتقواه وخشيته لله ونحو ذلك.

والصواب الأول؛ لأن الطلاق ليس من أعمال القلب، وإنما هو من أعمال اللسان، إذ لا بد من النطق به، أو ما يقوم مقامه من كتابة أو إشارة، وحديث "إنما الأعمال بالنيات"، حجة عليهم لا لهم؛ لأنه أخبر فيه أن العمل مع النية هو المعتبر، لا النية وحدها، وهنا لم يوجد العمل بنص الحديث، وأما من اعتقد الكفر بقلبه أو شك فهو كافر لزوال الإيمان؛ لأن الكفر من أعمال القلوب، يحل محل الإيمان عند فقده، وأما مؤاخذة المصر على المعصية فهذا إنما هوفيمن عمل المعصية ثم أصر عليها، وهذا عمل اتصل به العزم على معاودته، فهذا هو المصر، أما من عزم على المعصية ولم يعملها فهو بين أمرين إما ألا تكتب عليه، وإما أن تكتب له حسنة إذا تركها لله عزَّ وجلَّ (٣)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " .. وإن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همَّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة" (٤)، وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: "وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة" (٥).


(١) "جامع الترمذي" (٢/ ٤٧٦).
(٢) "عارضة الأحوذي" (٥/ ١٥٦)، "فتح الباري" (٩/ ٣٩٤).
(٣) انظر: "زاد المعاد" (٥/ ٢٠٣ - ٢٠٤).
(٤) أخرجه البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١) من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -.
(٥) أخرجه البخاري (٧٥٠١)، ومسلم (١٢٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>