للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

الإيثار تورعًا (١)؛ لأنه يخشى أن الذي آثره كان مستحييًا ولم تطب نفسه، أو أنه آثره، والإيثار بالقرب مكروه، أو خلاف الأوْلَى، فكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يمتنع عن ذلك؛ لئلا يرتكب أحد بسببه مكروهًا أو خلاف الأولى (٢).

فإذا قام لك إنسان فينبغي أن تتورع كما فعل ابن عمر -رضي الله عنهما-، إلا إذا علمت أن ذلك عن محبة لك وتقدير فلا بأس.

° الوجه الرابع: ذكر بعض العلماء أن هذا الحديث ليس عامًّا في الناس بل هو خاص بغير المجانين ومن يحصل منه الأذى كآكل البصل والثوم النيء إذا دخل المسجد، والسفيه إذا دخل مجلس العلم، لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا ضرر ولا ضرار" (٣)، لكن قد يقال: إن ما ذكر من الأمور النادرة، ولو فُتح باب الاستثناء لكثر.

° الوجه الخامس: الحديث دليل على أنه إذا دخل المجلس إنسان ولم يجد مكانًا فيه، فإن الجالسين مأمورون بأن يوسعوا فيما بينهم للداخل أن يقعد أو ينضم بعضهم إلى بعض حتى يبقى له في المجلس مكان يقعد فيه، فأي الأمرين فعلوا أصابوا السنّة، بشرط ألا يحصل ضرر على الجالسين، فإن حصل عليهم ضرر لم يلزمهم شيء من ذلك، لكن من حسن المعاملة ينبغي أن يُعتذر له حتى ينصرف وهو طيب النفس، لعموم قوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [فصلت: ٣٤] (٤).

وهذا دليل واضح على أن الشريعة الإسلامية شريعة شاملة لكل ما يحتاج الناس إليه في دينهم ودنياهم، حيث جاءت بهذه الآداب الكريمة والأخلاق العالية التي هي كفيلة بإنشاء مجتمع فاضل متأدب بآداب الإسلام. والله تعالى أعلم.


(١) انظر: "شرح رياض الصالحين" (٦/ ٣٥٠).
(٢) انظر: "شرح صحيح مسلم" (١٤/ ٤١١)، "دليل الفالحين" (٣/ ٣١٠). وانظر: كلامًا ماتعًا لابن القيم عن الإيثار في "طريق الهجرتين" (٢/ ٦٤٥).
(٣) انظر: "بهجة النفوس" (٤/ ١٩٤)، "فتح الباري" (١١/ ٦٣)، والحديث تقدم تخريجه في "البيوع" برقم (٩٢٠).
(٤) "بهجة النفوس" (٤/ ١٩٤).

<<  <  ج: ص:  >  >>