للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

وقد عظم الله حق الوالدين، فأمر بعبادته وتوحيده وجعل برهما مقرونًا بذلك، كما قرن شكرهما بشكره، فقال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا} [الإسراء: ٢٣]، وقال تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيكَ} [لقمان: ١٤].

ولا عجب في هذا، فإن للوالدين من الفضل والمعروف ما ليس لأحد غيرهما من الخلق كائنًا من كان، فهما السبب المحسوس المباشر في وجود الولد، وقد عانيا من المشقات على ولدهما الشيء الكثير، من حمل ووضع وإرضاع من قبل الأم، ومن تربية وإنفاق وعناية في حال الطفولة من قبلهما، وقد وقعت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: {وَوَصَّينَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا} [الأحقاف: ١٥] فسوى بينهما في الوصاية، وخص الأم بما انفردت به.

* الوجه الرابع: ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن الأم تفضل على الأب في البر، ونقل بعضهم الإجماع على هذا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل لها ثلاثة أرباع البر والطاعة، وجعل للأب ربعًا، كما في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: "أمك" قال: ثم مَنْ؟ قال: "أمك" قال: ثم مَنْ؟ قال: "أمك" قال: ثم مَنْ؟ قال: (ثم أبوك" (١) قال القرطبي: (معنى ذلك: أن حقهما -وإن كان واجبًا- فالأم تستحق الحظ الأوفر من ذلك، وفائدة ذلك المبالغة في القيام بحق الأم، وأن حقها مقدم عند تزاحم حقها وحقه) (٢). والله تعالى أعلم.


(١) رواه البخاري (٥٩٧١)، ومسلم (٢٥٤٨).
(٢) "المفهم" (٦/ ٥٠٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>