للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

صبر جميل. وقرأ ابن مسعود، وأُبيّ، وأبو المتوكل: «فصبراً جميلاً» بالنصب. قال الزجاج: والصبر الجميل لا جزع فيه، ولا شكوى إِلى الناس.

قوله تعالى: وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ فيه قولان:

أحدهما: على ما تصفون من الكذب. والثاني: على احتمال ما تصفون.

[[سورة يوسف (١٢) : آية ١٩]]

وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٩)

قوله تعالى: وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ أي: قوم يسيرون فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ قال الأخفش: أنّث السيارة وذكّر الوارد، لأن السيارة في المعنى للرجال. وقال الزجاج: الوارد: الذي يَرِدُ الماء ليستقي للقوم.

وفي اسم هذا الوارد قولان: أحدهما: مالك بن ذُعْر بن يؤيب بن عيفا بن مدين بن إِبراهيم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: مجلث بن رعويل، قاله وهب بن منبه.

قوله تعالى: فَأَدْلى دَلْوَهُ أي: أرسلها. قال الزجاج: يقال: أدليت الدلو: إِذا أرسلتها لتملأها، ودلوتها: إِذا أخرجتها. قالَ يا بُشْرى قرأه ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: «يا بشرايَ» بفتح الياء وإِثبات الألف. وروى ورش عن نافع «بشرايْ» و «محيايْ» و «مثواي» بسكون الياء. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي «يا بشرى» بألف بغير ياء. وعاصم بفتح الراء، وحمزة، والكسائي يميلانها. قال الزجاج: من قرأ «يا بشراي» فهذا النداء تنبيه للمخاطبين، لأن البشرى لا تجيب ولا تعقل فالمعنى: أبشروا، ويا أيها البشرى هذا من أوانك، وكذلك إِذا قلت: يا عجباه، فكأنك قلت:

اعجبوا، ويا أيها العجب هذا من حينك وقد شرحنا هذا المعنى.

فأما قراءة من قرأ «يا بشرى» فيجوز أن يكون المعنى: يا من حضر، هذه بشرى. ويجوز أن يكون المعنى: يا بشرى هذا أوانك على ما سبق بيانه من تنبيه الحاضرين. وذكر السدي أنه نادى بذاك أحدهم وكان اسمه بشرى «١» . وقال ابن الأنباري: يجوز فيه هذه الأقوال، ويجوز أن يكون اسم امرأة. وقرأ أبو رجاء، وابن أبي عبلة: «يا بُشْرَيَّ» بتشديد الياء وفتحها من غير ألف «٢» . قال ابن عباس: لما أدلى دَلْوَه تعلق يوسف بالحبل فنظر إِليه فإذا بغلام أحسن ما يكون من الغلمان، فقال لأصحابه: البشرى، فقالوا:

ما وراءك؟ قال: هذا غلام في البئر، فأقبلوا يسألونه الشركة فيه، واستخرجوه من الجُبِّ، فقال بعضهم لبعض: اكتموه عن أصحابكم لئلّا يسألوكم الشركة فيه، فإن قالوا: ما هذا؟ فقولوا: استبضعنَاه أهل الماء لنبيعه لهم بمصر فجاء إخوة يوسف فطلبوه فلم يجدوه في البئر، فنظروا، فإذا هم بالقوم ومعهم


(١) قال الحافظ ابن كثير رحمه الله ٢/ ٥٨٢: هذا القول من السدي غريب، لأنه لم يسبق إلى تفسير هذه القراءة بهذا إلا في رواية عن ابن عباس، والله أعلم.
(٢) قال الإمام الطبري رحمه الله ٧/ ١٦٥: وأعجب القراءة في ذلك إلي قراءة من قرأه بإرسال الياء وتسكينها، لأنه إن كان اسم رجل بعينه كان معروفا فيهم، كما قال السدي، فتلك هي القراءة الصحيحة لا شك فيها، وإن كان من «التبشير» فإنه يحتمل ذلك إذا قرئ كذلك على ما بينت. وأما التشديد والإضافة في الياء فقراءة شاذة، لا أرى القراءة بها، وإن كانت لغة معروفة لإجماع الحجة من القراء على خلافها.

<<  <  ج: ص:  >  >>