للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وليس بين هذه الأقوال تعارض فبينها توافق من جهة أن الكثرة سبب وباعث على السرور والأشر والبطر.

تنبيه:

رد ابن جرير قول قتادة بتفسير العفو بالسرور فقال: «وهذا الذي قاله قتادة في معنى عفوا، تأويل لا وجه له في كلام العرب؛ لأنه لا يُعرف العفو بمعنى السرور في شيء من كلامها، إلا أن يكون أراد حتى سروا بكثرتهم وكثرة أموالهم فيكون ذلك وجها وإن بعد» (١).

ولو أعمل ابن جرير ما قعّده في تأويل قوله تعالى: {أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} ... [البقرة: ٢٧]، حيث يقول:

«وقد قيل إن معنى أولئك هم الخاسرون أولئك هم الهالكون، وقد يجوز أن يكون قائل ذلك أراد ما قلنا من هلاك الذي وصف الله صفته بالصفة التي وصفه بها في هذه الآية بحرمان الله إياه ما حرمه من رحمته بمعصيته إياه وكفره به، فحَمَل تأويل الكلام على معناه دون البيان عن تأويل عين الكلمة بعينها؛ فإن أهل التأويل ربما فعلوا ذلك لعلل كثيرة تدعوهم إليه» (٢)، لصح حمله على التفسير بالسبب، لأن من أسباب سروره كثرته كما أشار ابن جرير رحمه الله.

تنبيه آخر:

صرح القرطبي (٣) أن (عفا) من الأضداد ونسبه ابن عطية (٤) لبعضهم، ورده ابن فارس بكلام بديع حيث قال: «وقول القائل: عفا: درس، وعفا: كثُر ـ وهو من الأضداد ـ ليس بشئ، إنّما المعنى ما ذكرناه، فإذا تُرِك ولم يُتعهَّد حتّى خَفِيَ على مَرّ الدهر فقد عفا، وإذا تُرِك فلم يُقطَع ولم يُجَزَّ فقد عفا، والأصل فيه كلّه التَّرك كما ذكرناه» (٥).

ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، كما دل عليه كلام ابن فارس آنفاً.


(١) جامع البيان ٩/ ١١.
(٢) جامع البيان ١/ ١٤٣.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ٧/ ١٦١.
(٤) المحرر الوجيز ٢/ ٤٣١.
(٥) مقاييس اللغة ص ٦٤٢.

<<  <   >  >>