للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

مخالفًا، وقد حكى الله تعالى عن أهل الكتاب أقوالهم في عدد أصحاب الكهف فقال: {سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم} [الكهف: ٢٢].

ومن أمثلة هذه الصورة مسألة الثوب إذا دفعه إلى الخياط فقطعه فاختلفا في ذلك، فقال الخياط: أمرني أن أقطعه قباء، وقال رب الثوب: أمرتك أن تقطعه قميصًا، فذكر الشافعي في المسألة قول ابن أبي ليلى: إن القول قول الخياط، وقول أبي حنيفة: إن القول قول رب الثوب، ثم قال الشافعي: «وهذا أشبه القولين، وكلاهما مدخول» (١)، فأشار بقوله: «وهذا أشبه القولين» إلى ترجيح مذهب أبي حنيفة، وبقوله: «وكلاهما مدخول» إلى قولٍ ثالثٍ في المسألة، وهو ما نصَّ عليه في «الأمالي» أنهما يتحالفان، وحكاه عنه المُزَني في «الجامع الكبير»، واختلف أصحابنا: فمنهم من قال: مذهب الشافعي التحالف، وما سواه حكاه مذهبًا لغيره، وقد دفعه بقوله: «وكلاهما مدخول»، وبهذا قال أبو علي الطبري وصاحب «التقريب» والشيخ أبو حامد، ومنهم من قال: ليس في المسألة إلا قولان، واختلفوا في عينهما، فعن ابن سريج، وأبي إسحاق، وابن أبي هريرة، والقاضي أبي حامد وغيرهم؛ أنهما مذهب أبي حنيفة وابن أبي ليلى، ومنهم من قال: هما تصديق المالك والتحالف، وأما تصديق الخياط فإن الشافعي أعرض عنه، حيث رجح القول الآخر، ومنهم من أثبت الأقوال الثلاثة، وأخذ ذلك من ترجيحه مذهبَ أبي حنيفة على مذهب ابن أبي ليلى، وهذا يُشعر بتردُّده في القولين؛ فإن من يُفسد القولين لا يرجّحِ أحدهما على الثاني، وينقل هذا عن القفَّال.


(١) انظر «المختصَر» للمُزَني (الفقرة: ١٦٨١).

<<  <  ج: ص:  >  >>