للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

كان في أيام صدقيا آخرِ ملوكِ بني إسرائيل، وكانوا قد أحدثوا المعاصيَ والطغيان، ونقضوا التوبةَ، فبقي أرميا يعظُهم ويهدِّدهم ببختَ نَصَّرَ عاملِ لهراسفَ على بابلَ، ولهراسفُ هو ملكُ فارسَ، وهم لا يلتفتون إلى وَعْظه، وكان أرميا قد رأى بختَ نَصَّرَ قديمًا وهو (١) صبيٌّ أقرعُ، ورآه يأكلُ ويتغوَّطُ ويقتلُ القملَ، فقال له: ما هذا؟ فقال: أَذًى يخرجُ، ومنفعةٌ تدخلُ، وعدوٌّ يُقتل، فقال له: سيكونُ لكَ شأنٌ، فأخذ أرميا من بُخْتَ نَصَّر أمانًا لبيتِ المقدس ومَنْ فيه، وكتبَ لهُ الأمانَ في جلدٍ، فلما صارَ الملكُ إلى بختَ نَصَّرَ، عصى عليه صدقيا، فقصد بُخْتَ نَصَّرُ بيتَ المقدسِ، فلما بلغَ سهولَ الرملة، وأُعلم أرميا بذلك، سار إليه، وأعطاهُ الأمان، فنظره وقالَ: هو أماني، ولكني مبعوثٌ، وقد أُمرت أن أَرميَ بسهمي، فحيثُ وقعَ سهمي، طلبتُ الموضعَ، فرمى بسهمٍ فوقعَ في قبةِ بيتِ المقدس، فرجع أرميا إلى أهل القدس، وأخبرهم بذلك، وفارقهم، واختفى، ثم سار (٢) بخت نَصَّرُ بالجيوشِ، وكان معه ستُّ مئةِ ألفِ رايةٍ، ودخل بيتَ المقدسِ بجنوده، ووطئ الشامَ، وقتل بني إسرائيلَ، وأَسَرَ منهم، وسَبى ذَراريَّهُمْ، وخَرَّبَ بيتَ المقدسِ، وأمرَ جنوده أن يملأ كلُّ رجلٍ منهم ترسَهُ ترابًا، ثم يقذفَه في بيتِ المقدس، ففعلوا حتى ملؤوه، وبينَ تخريبِ بيتِ المقدسِ على يدِ بختَ نَصَّرَ والهجرةِ النبويةِ الشريفة ألفٌ وثلاثُ مئةٍ وخمسونَ سنةً، فكانت هذه الواقعةُ الأولى التي أنزلها الله ببني إسرائيل بظلمِهم بعدَ أن لبثَ


(١) في "ت": "وهي".
(٢) في "ن": "وسار".