للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
رقم الحديث:

الميم، ولا يجوز الجمع بينهما، وما ورد مؤول، (عَلِّمْه) بمعنى: عرِّفْه، لا يقتضي إلَّا مفعولين: الأول: الضمير، والثاني: قوله: (الكتابَ) بالنصب؛ أي: القرآن، فـ (أل) للعهد؛ أي: اللفظ باعتبار دلالته على معانيه.

وفي «الترمذي» و «النسائي» : أنَّه عليه السلام دعا له أن يؤتى الحكمة مرَّتين، وفي «معجم الصحابة» : مسح على رأسه وقال: «اللَّهُمَّ فقِّهْه في الدين، وعلِّمْه التأويل» وفي رواية: قال: «اللَّهُمَّ علِّمْه الحكمة وتأويل الكتاب»، فقيل: المراد بـ (الحكمة) : القرآن والسنة، وقيل: المراد بها: السنة، ويدُلُّ له هذه الروايات؛ لقوله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [البقرة: ١٢٩]؛ أي: القرآن والسنة، وإنَّما دعا له لما يأتي عند المؤلف عنه قال: (دخل النبي عليه السلام الخلاء فوضعتُ له وَضوءًا)، زاد مسلم: (فلما خرج قال: «مَن وضع هذا؟»، فأخبر)؛ أي: أخبرتْه ميمونةُ؛ لأنَّ ذلك في بيتها، وحقَّقَ الله إجابة دعوة نبيه عليه السلام، فكان حبْر هذه الأمة وترجُمان القرآن، وفي الحديث دلالة على استحباب ضم الطفل وهو بالإجماع، وأما معانقة الرجل الرجل القادم من سفرٍ وغيره؛ فقال في «ملتقى الأبحر» : ويكره للرجل أن يقبِّل الرجل أو يعانقَه في إزار بلا قميص، وهو قول الإمام الأعظم والإمام محمد، وعند الإمام أبي يوسف لا يكره، انتهى.

قلت: والخلاف فيما إذا لم يكن عليهما غير الإزار، أما إذا كان عليهما قميص أو جُبَّة؛ فلا كراهة بالإجماع، وقال الشيخ الإمام أبو منصور: المكروه من المعانقة ما كان على وجه الشهوة، وأمَّا على وجه البِرِّ والكرامة؛ فلا كراهة عندهم، كذا في شرحه المشهور بـ «دامات أفندي»، قلت: والإزار: هو ما يَستر العورة من السُّرَّة إلى الرُّكبة، والقميص: ما يَستُر البدن، وحَدُّ الشهوة من الشيخ: تحرُّكُ قلبِه، ومن الشابِّ: تحرُّكُ آلتِه، والله أعلم.

(١٨) [بابٌ متى يصح سماع الصغير]

هذا (باب) بالتنوين: (متى) استفهاميَّة (يصح سماع الصغير)، وللكشميهني: (الصبي الصغير)، ومراد المؤلف: الاستدلال على أنَّ البلوغ ليس بشرط في التحمُّل، واختُلف في السِّنِّ؛ فقال ابن هارون: إذا فَرَّق بين البقرة والدابة، وقال ابن حنبل: إذا عقل وضبط، وقال ابن معين: أقله خمس عشرة سنة، وقال عياض: أقله خمس، والذي يعتمد عليه التمييز، فإن فَهِمَ الخطاب ورَدَّ الجواب؛ كان مميِّزًا صحيحَ السماع وإن كان دون خمس، وإن لم يكن كذلك؛ لم يصحَّ سماعُه وإن كان ابنَ خمسين، وتمامُه في «عمدة القاري».

[حديث: أقبلت راكبًا على حمار أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام]

٧٦ - وبه قال: (حدثنا إسماعيل) هو ابن عبد الله المشهور بابن أبي أويس، كما في رواية (قال: حدثني) بالإفراد (مالك) هو ابن أنس الإمام، (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري، (عن عبيد الله) بالتصغير (بن عبد الله)؛ بالتكبير، (بن عُتْبَة)؛ بضم العين، وسكون المثناة الفوقية، وفتح الموحدة، (عن عبد الله بن عباس) رضي الله عنهما، (قال: أقبلت) حال كوني (راكبًا على حمارٍأَتَانٍ)؛ بفتح الهمزة، وبالمثناة الفوقية، آخره نون؛ وهي الأنثى من الحمر، وإنما لم يقل: حمارة؛ لأنَّ الحمارة قد تطلق على الفرس الهجين، كما قاله الصاغاني، فلو قال: على حمارة؛ لربما كان يُفهم أنَّه أقبل على فرس هجين، وليس كذلك، على أنَّ الجوهريَّ حكى أنَّ الحمارة في الأنثى شاذَّة، و (أتانٍ) بالجر والتنوين كسابقه على النعت، أو بدل الغلط، أو بدل البعض من كلٍّ؛ لأنَّ الحمار يطلق على الجنس فيشمل الذكر والأنثى، أو بدل كل من كل، نحو: {شَجَرَةٍ... زَيْتُونَةٍ} [النور: ٣٥]، وفي رواية: بإضافة (حمار) إلى (أتان)؛ أي: حمار هذا النوع وهو الأتان، كذا في «عمدة القاري»، وهذا أوجه وأحسن مما ذكره الكرماني، والدماميني، والبِرماوي؛ لأنَّه مخالف لما قاله أهل اللغة، كما لا يخفى على مَن تتبع.

(وأنا يومئذ) الواو: للحال، و (أنا) مبتدأ، وخبرُه قوله: (قد ناهزت)؛ أي: قاربت، (الاحتلام) وهو يسمى مراهق، و (الاحتلام) : البلوغ الشرعي، مشتق من الحلُم؛ بالضم: ما يراه النائم، (ورسول الله صلى الله عليه وسلم) الواو: للحال، مبتدأ، خبرُه قوله: (يصلي)، وفي رواية البزار: (المكتوبة)، ولم أقف على تعيين هذه الصلاة (بمنًى) منصوب على الظرفية بالصرف وعدمه، ولهذا يكتب بالألف والياء، والأحسن صرفها وكتابتها بالألف، سمِّيت بها؛ لما يمنى بها من الدماء؛ أي: تراق، وهو موضع بمكة يذبح فيه الهدايا وترمى فيه الجمرات، (إلى غير جدار) في محل نصب على الحال، وفيه حذفٌ؛ تقديره: يصلِّي غير متوجِّهٍ إلى جدار؛ بكسر الجيم: الحائط، والمراد به: السترة؛ يعني: إلى غير سترة أصلًا، ويدل له ما في رواية البزار بلفظ: (والنبي عليه السلام يصلي المكتوبة ليس شيء يستره)، (فمررت بين يدي) أي: قُدَّام (بعض الصف) فالتعبير بـ (اليد)؛ مجاز؛ لأنَّ الصف لا يد له، والمراد بـ (بعض الصف) : صف من الصفوف أو بعض من الصف الواحد، (وأرسلتُ)؛ بضم التاء: فعل وفاعل، ومفعوله قوله: (الأتانَ تَرتَعُ)؛ بتاءين مثناتين فوقيَّتين مفتوحتين، وضم العين المهملة؛ أي: تأكل ما تشاء، أو تسرع في المشي، والأول أصوب، و (ترتعُ) مرفوع، والجملة محلُّها النصب على الحال من الأحوال المقدَّرة؛ أي: مقدار رتعها، (ودخلت الصف) وفي رواية: (فدخلت -بالفاء- في الصف) (فلم ينكِر)؛ بكسر (١) الكاف على صيغة المعلوم (ذلك عليَّ)؛ أي: فلم ينكر النبي الأعظم عليه السلام عليَّ ذلك ولا غيره، وفي رواية: بلفظ المجهول،؛ أي: لم ينكر أحد لا رسول الله عليه السلام ولا غيره ممن كانوا معه.

واستدل المؤلف بهذا على أنَّ التحمُّل لا يُشترط فيه كمال الأهليَّة، وإنَّما يُشترط عند الأداء، ويلحق بالصبي في ذلك العبد، والفاسق، والكافر، وفيه دليل على جواز مَن عَلِمَ الشيءَ صغيرًا وأدَّاه كبيرًا بالإجماع، وكذا الفاسق والكافر إذا أدَّيا حالَ الكمال.

وفيه جواز الركوب لصلاة الجماعة، وأنَّ مرور الحمار غير قاطع للصلاة، وعليه بوَّب أبو داود، وما ورد محمولٌ على قطع الخشوع، وفيه صحة صلاة الصبي، وأنَّه إذا فُعِل بين يدي النبي عليه [السلام] شيء ولم ينكره؛ فهو حجة، وأنَّ سُترة الإمام سُترةٌ لمن خلفه، وعليه بوَّب المؤلِّف وهو بالإجماع، والمرور بين يدي المصلي مكروه إذا كان إمامًا أو منفردًا وصليا إلى سُترة، وأمَّا المأموم؛ فلا يضرُّه؛ لأنَّه خلف الإمام وهو سُترة لمن خلفه، وسيأتي بقيَّة مباحثه إن شاء [الله تعالى].

[حديث: عقلت من النبي مجة مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين]

٧٧ - وبه قال: (حدثني) بالإفراد، وفي رواية: بالجمع (محمد بن يوسف) هو البيكندي أبو أحمد، وما قيل: إنَّه الفِريابي؛ فمردودٌ بعدم الرواية عن أبي مُسْهِر الآتي، (قال: حدثنا أبو مُسْهِر)؛ بضم الميم، وإسكان السين المهملة، وكسر الهاء، آخرُه راء، عبد الأعلى بن مُسْهِر الغسَّاني الدمشقي، المتوفى ببغداد سنة ثمان عشرة ومئتين (قال: حدثني) بالإفراد، وفي رواية: بالجمع (محمد بن حَرْب)؛ بفتح الحاء وإسكان الراء المهملتين، آخره موحدة، هو الأبرش؛ أي: الذي فيه نكت صغار تخالف لونه، الخولاني الحمصي، أبو عبد الله قاضي دمشق، المتوفى سنة أربع وسبعين ومئة، وما قيل: إنَّه تفرَّد أبو مُسْهِر برواية هذا الحديث عن ابن حرب؛ مردودٌ، فقد رواه ثلاثةٌ غير أبي مُسْهِر كما عند النَّسائي والبيهقي (قال: حدثني) بالإفراد (الزُّبَيدي)؛ بضم الزاي وفتح الموحدة: أبو الهذيل محمد بن الوليد بن عامر الشامي، قاضي حمص، المتوفى بالشام سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة عن سبعين سنة، (عن الزهري) محمد بن مسلم ابن شهاب، (عن محمود بن الرَّبيْع)؛ بفتح الراء وكسر الموحدة، ابن سراقة الأنصاري الخزرجي، أبو نعيم وأبو محمد، المدني، المتوفى ببيت المقدس سنة تسع وتسعين، عن ثلاث وتسعين سنة (قال: عَقَلت)؛ بفتح العين المهملة، بابه (ضرب)؛ أي: عرفت أو حفظت (من النبي) الأعظم (صلى الله عليه وسلم مَجَّةً) بالنصب على المفعولية؛ بفتح الميم والتنوين (مجَّها) من فيه؛ أي: رمى بها حال كونها (في وجهي)، وقيل: المَجُّ: إرسال الماء من الفم مع نفخ، (وأنا ابن خمس سنين) مبتدأ وخبره، والجملة معترضة وقعت حالًا، إمَّا من التاء في (عَقَلتُ) أو من الياء في (وجهي)، (من) ماء (دَلْو)؛ بفتح الدال المهملة وإسكان اللام، وفي رواية النَّسائي: (من دلو معلق)، وفي (الرِّقاق) عن معمر: (من دلو كانت في دارهم)، وفي (الصلاة) : (من بئر)، ولا تعارض بين هذه الروايات؛ لحمل ذلك على أنَّه أخذ بالدلو من البئر وتناوله عليه السلام من الدلو؛ وهو وعاء يتخذ من جلد يستسقى فيه الماء في الآبار، وفي الحديث بركة النبي الأعظم عليه السلام وسماع الصغير وضبطه بالسنن، وجواز ملاعبة الصبيان.

(١٩) [باب: الْخُرُوجِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ.]

هذا (باب الخروج) أي: السفر (في طلب العلم)؛ أي: لأجل طلبه برًّا وبحرًا، (ورحل) بالحاء المهملة (جابر بن عبد الله) الأنصاري الصحابي المشهور رضي الله عنه، (مسيرةَ شهر إلى عبد الله بن أُنيس)؛ بضم الهمزة، مصغر أنس، ابن سعد الجُهَني؛ بضم الجيم وفتح الهاء، المتوفى بالشام سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية رضي الله عنهما (في)؛ أي: لأجل (حديث واحد) فلفظ


(١) في الأصل: (بفتح)، ولا يستقيم مع قوله: (على صيغة المعلوم).

<<  <   >  >>