للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تَلَفَ مالُ أحدهما قَبْلَ التَّصَرُّفِ، تلف على صَاحِبِهِ، ويقدر إثبات الشَّرِكَة في البَاقِي، فلا تجوز الشَّرِكة عند اختلاف الجِنْسِ، كما أن يكون من أحدهما دَراهم والآخر دنانير، ولا عند اختلاف الصفة كما إذا اختلفت السَّكَّة، أو أخرج أحدهما صِحَاحاً والآخر مكسرة، أو صحاحاً متقومة أو أخرج أحدهما دراهم عتيقة أو بَيْضَاء، والآخر جَدِيدة أو سوداء، وفي البيض والسود وجه عن الإصْطَخْرِي، وإذا جوزنا الشَّرِكة في الْمِثلِيَّاتِ وجب تساويهما جنساً ووصفاً أيضاً، فلا يكفي خلط الحِنْطَة البَيْضَاء بالحَمْرَاءِ لإمكان التمييز وإن عسر، وعن الشَّيخ أَبِي عَلِيُّ أن الأستاذ أبا إسحاق ذكر وجْهاً في الاكتفاء به، لعد النَّاس مثل ذلك خَلْطاً، وينبغي أن يقدم الخَلْط على العَقْدِ والإذن، فإن تأخر فالأظهر المَنْع، إذ لا اشتراك عِنْدَ العَقْد.

والثَّانِي: يجوز إذا وقع في مجلس العَقْد, لأن المجلس كنفس العَقْدِ، فإن تأخر لم يجز على الوَجْهَيْنِ، ومال الإمام -رحمه الله- إلى تجويزه؛ لما سبق أن الشَّرِكة توكيلٌ وتوكل، ولو وجد التوكيل والتوكل والملكان متميزان ثم فرض الاختلاط لم تنقطع الوَكَالَة؛ نعم، لو قيد الإذن بالتَّصَرَّفِ في المَالِ المنفرد فلا بُدَّ من تجديد الإذن، ولو ورثوا عروضاً أو واشتروها فقد ملكوها شَائِعَةً، وذلك أبْلَغ من الخَلْطِ، بل الخَلْط إنما اكتفى به لإفادة الشيوع، فإذا انضم إليه الإذن في التَّصَرُّفِ تم العَقْد، ولهذا قال المُزَنِيُّ والأصْحَاب: الحِيْلَةُ في الشَّرِكة في العروض المتقومة، أن يبيعَ كُلّ وَاحِدٍ منهما نصف عَرَضِهِ بنصف عَرَضِ صَاحِبِهِ، تجانس العَرَضَانِ أو اختلفا؛ ليصير كل واحد منهما مشتركاً بينهما فيتقابضان، ويأذن كُلُّ واحد منهما لصاحبه في التَّصَرف، وفي "التتمة": أنه يصير العرضان مشتركين، ويملكان التَّصرف بِحُكْمِ الإِذْنِ، إلا أنه لا تثبت أحكام الشَّرِكة في الثَّمَنِ حتى يستأنفا عقداً وَهُوَ ناضٍ.

وقضية إطلاق الجمهور ثبوت الشركة وأحكامها على الإطْلاق وَهُو المذهب.

ولو لم يتبايعا العَرَضين، ولكن بَاعَاهما بِعَرَضٍ أو نقد ففي صِحَّةِ البيع قولان قَدْ مَرَّ ذِكْرُهُمَا في تفريق الصّفقة، ويعودان بأكثر من ذلك الشَّرْحِ في الصَّدَاقِ، فإن صَاحِب الكتاب ذكر المسألة هناك، فإن صَحَّحْنَا كان الثَّمَنُ مُشْتَرَكاً بينهما، إما على التَّسَاوِي أو التفاوت بحسب قِيمَةِ العَرَضَيْنِ، فأذن كُلّ واحدٍ منهما للآخر في التَّصرف (١).

الثَّالِثة: ظاهر المَذْهَبِ أنه لا يشترط تَسَاوِي المَالَيْنِ في القَدْرِ، بل تثبت الشَّرِكَة


(١) قال النووي: وإذا باع كل واحد بعض عرضه ببعض عرض صاحبه، فهل يشترط علمهما بقيمة العرضين؟ وجهان: حكاهما في "الحاوي". والصحيح: لا يشترط. ومن الحيل في هذا، أن يبيع كل واحد بعض عرضه لصاحبه بثمن في ذمته، ثم يتقاصا. ينظر الروضة ٣/ ٥٠٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>