للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المصيرَ إلى وقُوعه قصاصاً؛ لأن السراية منسوبةٌ إلى فعْل الجارح، فكانت الجراحة كالسراية، وقَرُبَ من هذا الخِلاَفِ الخلافُ فيما لو قَتَلَ مستحِقٌّ القصاص الجانِيَ خطأً أو ضربه بسَوْطٍ خفيفِ، فمات؛ لأنه لم يقصد قَتْلَه، لكن الحقّ متعيِّن، وقد استوفاه؛ ولذلك لو وثب الصبيُّ أو المجنونُ على مَنْ قتل مورثه فقتله، هل يكون مستوفياً لحَقِّه؟ فيه وجهان.

أَحَدُهُمَا: نعَمْ، كما لو كانَتْ له وديعة عنْد غيره، فأَتْلَفَها.

وأَصحُّهما: على ما ذكر صاحب "التهذيب" وغيره: لا؛ لأنه ليْسَ من أهل استيفاء الحقُوق، ويخالف الوديعةَ، فإنَّها لو تلِفَتْ من غير فعْل أحدٍ يبرأ المودع، وها هنا لو مات الجانِي لا يبرأ، فعَلَى هذا ينتقل حقُّه إلى الدية، ووجبت الدِّيَةُ بقَتْل الجانِي، وتَكُون عليه أو على العاقلة، ينبني على الخلاف في أن عمْدَهما عمْدٌ وخطأٌ، ويجري الخلاف فيما إذا ثَبَتَ قصاصُ الطرَفِ لصبيٍّ أو مجنونٍ، فوثبت على القاطِع، فقَطَع طرفه، هل يكون مستوفياً لحقِّه؟ وموضع الخلاف ما إذا لم يوجَدْ منه تمكين، فأما إذا أخرج يدَهُ إلى الصبيِّ أو المجنونِ، حتى قطَعَه، لم يكن مستوفياً لحَقِّه بلا خلاف ويكون قطْعُه هدراً.

قَالَ الْغَزَالِيُّ: الفَصْلُ الثَّانِي في المُمَاثَلَةِ، وَالتَّفَاوُتُ فِي ثَلاثَةٍ التَّفَاوُتُ الأوَّلُ تَفَاوُتُ المَحَلِّ وَالقدْرِ فَلاَ تُقْطَعُ اليُمْنَى بِاليُسْرَى، وَلاَ السَّبَّابَةُ بِالوُسْطَى، وَلاَ أُصْبُعٌ زَائِدَةٌ بِأخْرَى عِنْدَ تَفَاوُتِ الْمَحَلِّ، وإنْ تَسَاوَتِ الزَّائِدَتَانِ فِي الحُكُومَةِ وَاخْتَلَفَتَا فِي الحَجْمِ فَفِيهِ وَجْهَانِ، إِذْ لَيْسَ لَهُمَا اسْمٌ أَصْلِيٌّ بِخِلافِ يَدِ الصَّغِيرِ مَعَ الكَبِيرِ.

قَالَ الرَّافِعِيُّ: هجم هاهنا وفي "الوسيط" على ذكْر الفصْل الثاني من غَيْر أن يذكر فصلاً أولاً، وكأنه قصَدَ ترتيبَ مسائِل قصاصِ الطَّرَف بإيداعها في فصْلَيْن.

أحدُهما: فيما يوجب القصاص من الجنايات عَلَى ما دون النَّفْس.

والثاني: في المماثَلَةِ المعتَبَرة فيه، ثم غَفَلَ عن التنْصيص على الأَوَّل، وإن أتى بمقصُوده، والوجه أن يزاد قَبْل قوله: "والجنايات ثلاثة" وفيه فصلان:

أحدهما: فيما يُوجِبُ قصاص الطَّرَف أو لا يزادُ هناك شيء ويُجْعَل مكان الفَصْل الثاني: "فصْل في المُمَاثَلَةِ" وقد يقال: قد عقد في فنِّ الاستيفاء مِنْ بعْدُ فصلاً في المماثلة، وهذا الفصْل مترجَمٌ بالمماثلة أيضاً، فهلا جمَعَ بين مسائل الفصْلَيْن، فاعْلَمْ أن غرَضَ الفصلَيْن مختلفٌ؛ فالغرض هناك بيانُ أن المماثلةَ في طرِيقِ الإزْهاق مرعيَّةٌ في الاستيفاء والغرَضُ هاهنا الكلامُ في المماثلة التي هي معتبرةٌ في وجُوب القصاصِ وهي في الطَّرَفِ بمثابة الكفاءة التي تُطلَق في قصاصِ النَّفْس، إذا تقرَّر ذلكَ، فالذي نُقدِّمه

<<  <  ج: ص:  >  >>