للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أحدهما: أن الحُكْمَ كما لو كَانَ نَائِماً؛ لأن السُّكوتَ لَيْسَ بِأَمْرٍ، ألا ترى أن السُّكُوت عَلَى إِتْلاَفِ المَالِ لا يكون أمْراً بالإِتْلاَفِ.

وأصحهما: أنه كما لو حلق بأمره؛ لأن الشَّعَرَ عِندَه إِمَّا كَالوَدِيعَة، أو كالعارية، وعلى التقديرين يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْهُ.

ولو أمر حَلالٌ حَلاَلاً بحلق شعر حرام، وهو نائم فالفِدْيَة على الآمر إن لم يعرف الحَالِقُ الحَالَ، وإن عرف فعليه في أصح الوجهين.

قال الغزالي: النَّوْعُ الخامِسُ: الجِمَاعُ وَنَتِيْجَتُهُ الفَسَادُ وَالقَضَاءُ وَالكَفَّارَةُ، وَإِنَّمَا يَفْسَدُ بِالجِمَاعِ قَبْلَ التَّحَلُّليْنِ (ح) وَفيمَا بَيْنَهُمَا فلاَ، وَفِي العُمْرَةِ قبْلَ السَّعْي إِلاَّ إِذَا قُلْنَا: الحَلْقُ نُسُكٌ فَيَفْسَدُ قَبْلَ الحَلْقِ، وَلَيْسَ لِلعُمْرَةِ إِلاَّ تَحَلُّلٌ وَاحِدٌ.

قال الرافعي: قال الله تعالى: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} (١) أي: لا ترفثوا ولا تفسقوا، والرَّفَثُ مفسر بالجماع، فالجماع في الحَجِّ والعمرةُ نَتَائِج، فَمِنْهَا فساد النُّسُكِ، يروى ذلك عن عمر (٢) وعلي (٣) وابْنِ عباس (٤) وأبي هريرة (٥) وغيرهم من الصَّحَابَةِ -رضي الله عنهم- أجْمَعِين.

واتفق الفقهاء عليه بعدهم، وإنما يفسد الحج بالجِمَاعِ إذا وَقَعَ قَبْلَ التحللين لِقُوَّةِ الإِحْرَامِ، ولا فرق بين أن يقع قبل الوُقُوفِ بعَرَفَةَ أو بَعْدَه خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- حيث قال: لا يفسد بِالْجِمَاعِ بَعْدَ الوقوف، وَلكن تلزمِ بِهِ الفدْيَة.

وأما الجماع بين التحللين فلا أَثَرَ لَهُ فِي الفَسَادِ.

وعن مالك وأحمد -رحمهما الله- أنه يفسد ما بقي من إحْرَامِهِ ويقرب منه ما ذَكَرَهُ القَاضِي ابْنُ كِجٍّ أن أبا القَاسِم الدركي، وأبا عَلِي الطَّبَرِيّ حَكَيَا قولاً عن القديم أنه يخرج إلى أدنى الحِلِّ، ويجدد منه إحْرَاماً ويأتي بِعَمَلِ عُمْرَةٍ.

وأطلق الإمام نقل وجه أنه مفسد كما قبل التَّحلل، وتَفْسُدُ العمرة أيضاً بالجِمَاع قبل حُصولِ التَّحَلُّلِ، ووقت التحلل مِنْهَا مَبْنِيٌّ عَلَى الخِلاَفِ السَّابقِ في الحَلْقِ، فإن لم نجعله نسكاً فإنما يفسد بالجِمَاعِ قَبْلَ السَّعْي، وإن جعلناه نُسُكاً فيفسد أيضاً بالجِمَاعِ قَبْلَ


(١) سورة البقرة، الآية ١٩٧.
(٢) أخرجه مالك في الموطأ بلاغاً، وأسنده البيهقي عن حديث عطاء عن عمر وفيه إرسال، وأخرجه سعيد بن منصور من طريق مجاهد عن عمر وهو منقطع، انظر التلخيص (١/ ٢٨٢ - ٢٨٣).
(٣) انظر المصدر السابق.
(٤) انظر المصدر السابق.
(٥) انظر المصدر السابق.

<<  <  ج: ص:  >  >>