للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فرْعٌ:

عن صاحب "التقريب":

مَنْ عليه الزكاةُ، لو وهَبَ دَينَه على المسكين بنية الزكاة، لم يقع الموقع؛ لأنَّهُ إبراءٌ، وليس بتمليك، وإقامة الإبراء مقام التمليك إبْدالٌ، وإنَّهُ غيرُ جَائِزٍ في الزكوات.

ولَكَ أن تقول: ذكروا وجهَيْن في أنَّ هبةَ الدَّيْن ممَّن عليه الدين تتنزل منزلة التَّمليك، أم هو مَحْضُ إسْقَاطٍ؟ وعلى هذا خرج اعتبار القَبُول فيها، فإنْ أعطَيْنَاها حكم التمليك، وجَبَ أنْ يقعَ الموقع (١)، ولو كان الدَّيْنُ عَلَى غيره، فوهبه للمسكين بنيَّة الزكاة. وقلْنا: تصح الهبة ولا يعتبر القَبْض، وقع عن الزكاة، والمستحقُّ يطالب المديُونَ به، واللهُ أَعْلَمُ.

قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّالثُ: القَبْضُ وَبِهِ يَحْصُلُ (م و) المِلْكُ، فَإِنْ مَاتَ الوَاهِبُ قَبْلَ القَبْضِ تَخَيَّرَ الْوَارِثُ في الأِقْبَاضِ، وَقِيلَ: يَنْفَسِخُ كَالوِكَالَةِ، وَكَمَا قَبْلَ القَبُولِ، وَلَوْ قَبَضَهَا المُتَّهِبُ دُونَ إِذْنِ الوَاهِبِ لَمْ يَحْصُلِ المِلْكُ.

قَالَ الرَّافِعِيُّ: الركنُ الثالِثَ: القَبْضُ، ولا يحْصُلُ المِلْكُ في الهبات والهَدَايَا إلاَّ بعد حُصولِ القَبْضِ. رُوِيَ أنَّ أبا بَكْرٍ -رضي الله عنه- نَحَل عائشة -رضي الله عنها- جذاذ عِشْرِينَ وَسْقاً، فلَمَّا مَرِضَ قَالَ: وَدِدْت أنَّكَ جزيته وقبضتيه. وإنّما هو اليَوْمَ مَالُ الوَارِثِ (٢).


(١) أجاب عنه ابن الرفعة بأن هذا لأن جعلناه تمليكاً فهو تمليك تقديرى لا تحقيقي، والمعتبر في الزكاة التمليك الحقيقي، ولهذا قال الإمام: إنه ليس بتمليك على الحقيقة. قال في البسيط: بل هو كالبدل عن التمليك، بل قال بعض الفضلاء: لا ينبغي أن يسقط به الزكاة، وإن أعطيناه حكم التمليكات الحقيقية لأن الزكاة تحتاج إلى دفع ولم يوجد، وقد نقل الماوردي أنه إذا كان لرب المال دين على فقير من أهل السهمان لم يجز أن يجعل ما عليه من دينه قصاصاً من الزكاة إلا أن يدفع الزكاة إليه، ثم يختار الفقير دفعها إليه من ذمته، فأراد أن يجعله عن زكاته. وقال له جعلته عن زكاتي فوجهان أصحهما لا يجزئه والثاني، يجزئه كما لو كانت له عنده دراهم وديعة ودفعها عن الزكاة وهذا يؤيد ما حكاه الرافعي من الخلاف.
وقال في الكفاية: ينبغي أن يخرج في هذا خلافاً في الخلاف فيما إذا أبرأ ابنه من دين له عليه فلا رجوح إن قلنا: الإبراء إسقاط، وإن قلنا: تمليك ثبت، وقد حكاه الرافعي فيما بعد عن المتولي. قاله في الخادم.
(٢) رواه مالك (٢/ ١٢٥ - ١٢٦) عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة به وقال الحافظ في التلخيص: وأتم به، والبيهقي (٦/ ١٦٩ - ١٧٠) من طريق ابن وهب عن مالك وغيره عن ابن شهاب، وقال الحافظ في التلخيص وعن حنظلة بن أبي سفيان عن القاسم بن محمد نحوه، والبغوي في شرح السنة (٢٢٠٤).

<<  <  ج: ص:  >  >>