للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والإِقرار المطلق يلزمه، ويؤاخذ به المقر على المذهب المشهور، وخرج فيه وجه: أنه لا يلزمه حتى يسأل المقر عن سبب اللزوم؛ لأن الأصل براءة الذمة، والإقرار ليس موجبًا في نفسه، وأسباب الوجوب مختلف فيها، فربما ظن ما ليس بموجب موجبًا، وهذا كما أن الجرح المطلق لا يقبل، وكما أنه لو أقر بأن فلانًا وارثه، لا يقبل حتى يبين جهة الوراثة، ولو قال: وهبت منك كذا، أو خرجت منه إليك لم يكن مقرًّا بالقبض لجواز أن يريد الخروج منه بالهبة.

وعن القَفَّالِ الشاشى أنه مقر بالقبض؛ لأنه نسب إلى نفسه ما يشعر بالإقباض بعد المفروغ منه، ولو أقر الآن بعين مال لابنه، فيمكن أن يكون مستند إقراره ما يمنع الرجوع، ويمكن أن يكون مستنده مالاً يمنع، وهو الهبة، فهل له الرجوع عن أقضى القضاة الماوردي وأبي الطيب أنهما أفتيا بثبوت الرجوع تنزيلاً للإقرار على أضعف الملكين، وأدنى السببين، لما ينزل على أقل المقدارين.

وعن الشيخ العَبَّادِيِّ أنه لا رجوع؛ لأن الأصل بقاء الملك للمقر له، ويمكن أن يتوسط، فيقال: إن أقر بانتقال الملك منه إلى الابن، فالأمر كما قال القاضيان، وإن أقر بالملك المطلق، فالأمر كما قال العَبَّادِيُّ: ولو أقر في وثيقة بأنه لا دعوى له على فلان، ولا طلب بوجه من الوجوه، ولا سبب من الأسباب، ثم قال: إنما أردت في عمامته أو قميصه، لا في داره.

قال القاضي أبُو سَعِيدٍ بن أبي يوسف: هذا موضع تردد، والقياس أنه يقبل؛ لأن غايته تخصيص عموم، وهو محتمل.

الثانية: المقر به المجهول قد تمكن معرفته من غير رجوع إلى المقر وتفسيره، وذلك بأن يحيله على معروف، وذلك ضربان:

أحدهما: أن يقول له: عليَّ من الدراهم بوزن هذه الصنجة، أو بالعدد المكتوب في كتاب كذا، أو بقدر ما باع به فلان عبده، وما أشبه ذلك، فيرجع إلى ما أحال عليه.

الثاني: أن يذكر ما يمكن استخراجه بالحساب، فمن أمثلته مسالة "المفتاح" وهو أن يقول: لزيد عليَّ درهم إلاَّ نصف ما لابنه عليَّ ولابنيه عليَّ ألف إلاَّ ثلث ما لزيد عليَّ ولمعرفته طرق:

أحدها: أن يجعل لريد شيئًا، ويقول للإبنين ألف إلاَّ ثلث شيء، فيأخذ نصفه وهو خمسمائه إلاَّ سدس شيء، ويسقط من الألف يبقى خمسمائة وسدس شيء، وذلك يعدل شيئًا، فالمفروض لزيد لأنه جعل له ألفًا إلاَّ نصف ما لابنه، فسقط سدس شيء لسدس شيء يبقى خمسة أسداس شئ في مقابلة خمسمائة، فيكون الشيء التام ستمائة،

<<  <  ج: ص:  >  >>