للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أصحابنا (١)؛ قال الشيخ: ووجدت لفظ الوجوب في هذا الأذان لفظا للشافعي -رضي الله عنه- فلعله أراد توكيد أمره. ومنهم من قال: يسقط الوجوب بالأذان الذي يؤتى به لصلاة الجمعة وإن لم يكن بين يدي الخطيب. ولك أن تعلم قوله: "مشروع سنة" بالألف؛ لأن بعض أصحاب أحمد ذكر: أن الأذان والإقامة فرضان على الكفاية عندهم وبالميم؛ لأن في تعاليق الشيخ أبي حامد أن مالكاً يقول بوجوب الأذان، ويلزم الإعادة ما بقي من الوقت، فإن ذهب الوقت وصلى من غير أذان جاز.

ونعود بعد هذا إلى بيان محل الأذان وقد ضبطه المصنف فقال: "محله الجماعة الأولى من صلاة الرجال في كل مفروضة مؤداة" وفيه خمسة قيود: أولها الجماعة فالمنفرد في الصحراء أو في العصر هل يؤذن؟ الجديد: أنه يؤذن لما روي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لأبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-: "إِنَّكَ رَجُلٌ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْكَ وَقْتُ الصَّلاَةِ فَأذِّنْ وَارْفَعْ صَوْتَكَ فَإِنَّهُ لاَ يَسْمَعُ صَوْتَكَ حَجَرٌ وَلاَ شَجَرٌ وَلاَ مَدَرٌ إِلاَّ شَهِدَ لَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٢).

وحكى عن القديم: أنه لا يؤذن، لأن المقصود من الأذان الإبلاغ والإعلام، وهذا لا ينتظم في المنفرد، وقال بعض أصحابنا: إن كان يرجو حضور جمع أذن وإلا فلا، وحمل حديث أبي سعيد على أنه كان ينتظر حضور غلمانه ومن معه في البادية.

هذا إذا لم يبلغ المنفرد أذان المؤذنين، فأما إذا بلغه بالخلاف فيه مرتب على هذا فالخلاف، وأولى بأن لا يؤذن كآحاد الجمع، فإن قلنا: لا يؤذن المنفرد فهل يقيم فيه وجهان:

أحدهما: لا كالأذان، وأصحهما نعم؛ لأنها للحاضرين فيقيم لنفسه، وإذا قلنا: يؤذن فهل يرفع الصوت؟ فيه وجهان:

أصحهما: نعم؛ لحديث أبي سعيد.

والثاني: إن انتظر حضور جمع رَفَع، وإلا فلا، ولا شك في أنه إذا أذن يقيم.

واعلم أن هذا الترتيب يشتمل عليه كلام إمام الحرمين وهذا الذي اقتبسه منه


(١) أبو الحسن أحمد بن سيار، بسين مهملة مفتوحة وياء مشددة بنقطتين من تحت، ابن أيوب السياري المروزي الحافظ الأديب، الزاهد، كان يقاس بابن المبارك في زمانه. رحل إلى العراق والشام ومصر، وسمع إسحاق بن راهوية، وروى عن النسائي وابن خزيمة. توفي سنة ثمان وستين ومائتين، نقله النووي في تهذيبه وطبقاته. راجع ترجمته في: تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٤٦)، تاريخ بغداد (٤/ ١٨٧)، طبقات الأسنوي رقم (٥٩٢).
(٢) أخرجه البخاري (٦٠٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>