للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وأما من أفطر بغير الجماع من غير عذر، ففي إلزامه الكفارة خلاف، والآية الكريمة دليل لمن قال بلزوم الكفارة، خلافًا لمن قال: إنها منسوخة, لأن ادعاء النسخ ليس بالأمر السهل.

وذهب بعضهم في الآية مذهبًا آخر، فقال: إن حكمها خاص بالشيخ الكبير والمريض، اللذين يطيقان الصوم، كان مرخصًا لهما أن يفديا صومهما بإطعام مسكين ويفطرا، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: ١٨٥] فلزمهما من الصوم مثل الذي لزم الشاب، إلا أن يعجزا عن الصوم، فيكون ذلك الحكم الذي كان لهما قبل النسخ ثابتًا لهما حينئذٍ بحاله؛ ونسب الطبري هذا القول إلى ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وقتادة، والربيع.

وذهب آخرون إلى أن الآية محكمة، وحكمها مثبت منذ نزلت إلى قيام الساعة، وقالوا: أما الذين يطيقونه، فالرجل كان يطيقه وقد صام قبل ذلك، ثم يعرض له الوجع، أو العطش أو المرض الطويل، أو المرأة المرضع لا تستطيع أن تصوم، فإن أولئك عليهم مكان كل يوم إطعام مسكين، فإن أطعم مسكينًا فهو خير له، ومن تكلف الصيام فصامه فهو خير له، ونسب هذا القول إلى ابن عباس، وبه قال ابن عمر في الحامل والمرضع، وإلى سعيد بن المسيب، وكان ابن عباس يقرأ: "وعلى الذين يطوقونه"، ويقول: هو الشيخ الكبير يفطر ويطعم عنه؛ وقال عكرمة: الذين يطوقونه يعجزون عنه؛ وقال ابن عباس: يتكلفونه.

والذاهبون إلى أن الآية منسوخة، استدلوا بما رواه مسلم عن سلمة بن الأكوع، قال (١): "لما نزلت هذه الآية {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}، كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها". ورواه عن سلمة البخاري في التفسير، والنسائي أيضًا في تفسيره، ورواه أبو داود والترمذي، لكن لهذا الأثر علة خفية أشار إليها البخاري، وذلك أنه رواه عن قتيبة،


(١) إن الإمام مسلم لم يشترط ما اشترط البخاري. وهذا الحديث لا يتعارض مع شرط البخاري في اللقيا.

<<  <   >  >>