للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أحدهما: يستأنف كما في الصَّلاة.

وأصحهما: أنه يَبْنِي ويحتمل في الطواف ما لا يحتمل في الصَّلاَة، كالفعل الكثير والكَلاَم، وإن سبقه الحَدَث رتب على حالة التعمد إن قلنا: يبني عند التعمد، فهاهنا أولى، وإن قلنا: يستأنف فهاهنا قولان أو وجهان: والأصح البناء، وهذا كله فيما إذا لم يَطُل الفَصْل، فإن طَالَ فسيأتي حكمه، وحيث لا يجب الاستئناف فلا شك في استحبابه.

وقوله: (شرائط الصلاة) غير مجرى على ظَاهِره، فإن المعتبر في الطواف بَعْضها وهو الطَّهارة، وسترُ العورة، ولا يعتبر فيه استقبال القبلة، وتَرْكُ الكلام، وترك الأفعال الكثيرة، وترك الأكل.

وأعلم قوله: (من طهارة الحدث والخبث وستر العورة) بالحاء؛ لأن عنده لو طاف جنباً أو محدثاً أو عارياً أو طافت المرأة حائضاً لزمت الإعادة ما لم يفارق مكَّة، فإن فارقها أجزأه دَمُ شَاةٍ إن طَافَ مع الحَدَثِ، وبدنه إِنْ طَافَ مع الجَنَابَةِ، وبالألف، لأن عند أحمد رواية مثله، إلا أن الإعلام بهما إنما يَصِح إذا كان المراد من وجوب شرائط الصَّلاَةِ في الطواف: اشتراطها فيه دون الوجوب المشترك بين الشرائط وغيره، فإنا قد نوجب الشَّيْءَ ولا نشترطه، كركعتي الطَّوافِ في الطَّوَافِ على أحد القولين، والذي حكيناه عن أبي حنيفة -رحمه الله- ينافي الاشتراط دون الوجوب المشترك، -والله أعلم-.

قال الغزالي: الثَّانِي التَّرْتِيبُ (ح) وَهوَ أَنْ يَجْعَلَ البَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ وَيَبْتَدِئَ بالحَجَر الأَسْوَدِ، وَلَو جَعَلَهُ عَلَى يَمِينِهِ لَمْ يَصِحَّ، وَلَو اسْتَقْبَلَهُ بِوَجْهِهِ فِيهِ تَرَدُّدٌ، وَلَو ابْتَدَأَ بِغَيْرِ الحَجَرِ لَمْ يُعْتَدَّ بِذَلِكَ الشَّوْطِ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ اِلى أَوَّلِ الحَجَرِ فَمِنْهُ يَبْدَأ الاحْتِسَابَ، وَلَوْ حَاذَى آخِرَ الحَجَرِ بِبَعْضِ بَدَنِهِ في ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ فِيهِ وَجْهَانِ.

قال الرافعي: هذا الواجب وما بعده قد يحوج إلى معرفة هيئة البيت، فنقدم في وَضْعِ البيت وما لحقه من التغايير مقدمة مختصرة.

ونقول: لبيت الله تعالى أربعة أرْكَان: ركنان يمانيان، وركنان شَامِيانِ، وكان لاصقاً بالأرض، وله بابان: شرقي وغربي، وذكر أن السَّيْلَ هَدَمَهُ قبل مبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بِعَشْرِ سنين، وأعادت قريش عمارته على الهَيْئَةِ التي هُوَ عليها اليوم، ولم يجدوا من النذور والهدايا والأموال الطيبة ما يفي بالنفقة، فتركوا من جَانِب الحِجْرِ بَعْضَ البَيْتِ، وخلفوا الركنين الشاميين عن قواعد إبراهيم عليه السلام، وضيقوا عرض الجدار من الركن الأسود إلى الشَّامي الذي يليه، فبقي من الأساس شبه الدكان مرتفعاً، وهو الذي يسمى

<<  <  ج: ص:  >  >>