للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تُخَمَّرُوا رَأْسَهُ فَإنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِيّاً" (١).

ولا فرق بين أن يستر بمخيط كالقلنسوة، أو بغير مخيط كالعمامة والإزار والخرقة، وكل ما يعد سَاتِراً وإذا ستر لزمه الفدية، لأنه باشر محظوراً كما لو حَلَق.

ولو توسد بوسادة فلا بأس وكذا لو توسد بعمامة مكورة، لأن المتوسد يُعَدّ في العُرْفِ حَاسِر الرأس.

ولو استظلَ بِمَحْمَلِ أو هودج فلا فدية عليه أيضاً، لأنه لا يعد ذلك سترًا للرأس، كما لو استظل ببناء، وكذلك لو انغمس في مَاءٍ فاستوى الماء على رأسه، وخصص صاحب "التتمة" نفي الفدية في سورة الاستظلال بما إذا لم تمس المظلة رأسه، وحكم بوجوبها إذا كانت تَمَسُّه، وهذا التفصييل لم أره لغيره، وإن لم يكن بُدٌّ منه فالوجه إِلحاقه بوضع الزمبيل (٢) على الرأس.

والأصح فيه أن فديه كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وعن مَالِكٍ وأحمد -رحمهما الله-: أنه إذا استظل بالمحمل رَاكِبًا افتدى، وإن استظل به نازلاً راجلاً فلا، وروى الإمام عن مالك الخلاف في سورة الانغماس أيضاً.

لنا: في الاستظلال ما روي عن أم الحصين قالت: "حَجَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- حجَّةَ الْوَدَاعِ فَرَأَيْتُ أُسَامَةَ وَبِلاَلاً أَحَدُهُمَا آخِذٌ بحِطَام نَاقَتِهِ، وِالآخَرُ رَافِعاً ثَوْبَهُ يَسْتُرَهُ مِنَ الْحَرِّ حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ" (٣).

ولو وضع زنبيلاً على رأسه أو حملاً فقد ذكر أن الشافعي -رضي الله عنه- حكى عن عَطَاء: أنه لا بأس به (٤)، ولم يعترض عليه، وذلك يشعر بأنه ارتضاه فإنَّ من عادته الرَّد عَلَى المَذْهَبِ الذي لاَ يَرْتَضِيه، وعن ابنِ المُنْذِرِ والشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ أنه نَصَّ في بعض كتبه على وجوب الفِدْية، فمن الأصحاب من قطع بالأولَ ولم يثبت الثَّاني، ومنهم من أطلق قولين، وهو ما أورده في الكتاب، ووجه الوجوب ما يروى عن أبي حنيفة إن غطىَ رأْسَه فأشبه ما لو غطاه بشَيْء آخر، ووجه عَدَمِ الوجُوب أن مقصوده نَقْل المتاع لا تغطية الرَّأسِ، على أن المحرمَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ من التَّغْطِيَةِ بما لاَ يقصد السَّتْر بِهِ ألا ترى إلى


(١) تقدم.
(٢) يقال: زملته بثوبه تزميلاً فتزمل، مثل لففته به قلفف به. انظر المصباح المنير (١/ ٣٤٨).
(٣) أخرجه مسلم (١٢٩٨) وأبو داود (١٨٣٤) والنسائي (٥/ ٢٦٩ - ٢٧٠).
(٤) قال الحافظ ابن حجر في التلخيص: لم أقف عليه بعد.

<<  <  ج: ص:  >  >>