للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

الْغَارِمُ" (١) وعلى الثاني: يجوز أن يكون المعنى في الترتيب، أنه إذا كان المطل ظلماً من الغنى، فهذا أحيل بدينه فإن الظاهر أنه يحترز عن الظُّلْمِ ولا يمطل، ثم الأمر في قوله: فليتبع أو فليحتل أمر استحباب، وعن أحمد -رضي الله عنه- أنه للوجوب. واعلم أنه إذا كان لزيد عليك عشرة، ولك على عمرو مثلها، فأحلت زيداً على عمروٍ، فأنت مُحِيلٌ، وزيدٌ مُحْتَالٌ، وعمرو مُحَالٌ عَلَيْهِ، وقد كان لِزَيْدِ عليك دَيْنٌ، ولك على عَمْرو دَيْنٌ، وجرت بينك وبين زيد مراضاة بها، انتقل حقُّه إلى عَمْروٍ، فهذه ستة أمور لا بد منها في وجود الحوالة، ويشترط في صحتها أمور:

منها: ما يرجع للدينين.

ومنها: ما يتعلق بالأشْخَاص الثلاثة، وصاحب الكتاب حَاوَلَ جَمْعَ الشروط، وأعرض عن تفصيل ما يفتقر إليه وجود الحَوَالة لِوُضُوحِهِ، واكتفى بما بينه في سَائِر العقود، وأول ما نذكره أصل شديد التوغل في مسائل الكتاب، وهو أن الحوالة استيفاء حق أو بيع أو اعتياض وفيه وجهان، أو قولان منسوبان إلى ابْنِ سُرَيْج وغيره أحدهما أنها استيفاء حق كأن المحتال استوفى ما كان له على المحيل، وأقرضه المحال عليه، ووجهه أنها لو كانت معاوضة لجاز أن يحيل بالشَّيْءِ على أكثر منه، أو أقل، ولما جاز التفريق قبل القَبْضِ، إذا كانَا طَعَامَيْنِ أو نقدين.

وأظهرهما: وقد نَصّ عليه في باب بيع الطعام: أنها بيع؛ لأنها تبديلُ مَالٍ بِمَالٍ، فإن كل واحد من المُحِيل والمُحْتَال، يملك بِهَا مَا لَمْ يملكه، وهذا حقيقة المعاوضة، وليس فيها استيفاء حَقِّ، ولا إقراض محقق فلا يُقَدَّرَانِ، وعلى هذا فهو بيع ماذا بماذا؟ في كتاب القاضي ابْنِ كِجٍّ، أن القاضيَ أَبا حَامِدٍ خرجه على وجهين.

أحدهما: أنها بيع عَيْنٍ بِعَيْنِ، وإلا لبطلت "لِلنَّهْي عَنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ" (٢) وكأن هذا القائل نزل استحقاق الدين على الشخص منزلة استحقاق منفعة تتعلق بعينه، كالمنافع في إجارات الأعيان.

والثاني: وهو المنقول أنها بيع الدَّيْنِ بالدَّيْنِ، فإن حق الدين لا يستوفى من غير الشخص، ولغيره أن يؤديه عنه، واستثنى هذا العقد عن النهي لحاجة النَّاس إليه مسامحة وإرفاقاً، ولهذا المعنى لم يعتبر فيه التقابض، كما في القرض، ولم يجز فيه الزيادة والنقصان؛ لأنه ليس بعقد مماكسة كالقَرْضِ، وقال الإِمَام وشَيْخُه: لا خِلاَفَ في اشتمال


(١) أخرجه أحمد (٥/ ٢٦٧) وأبو داود (٣٥٦٥) وابن ماجة (٢٣٩٨) وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (١١٧٤) بلفظ العارية مؤداه.
(٢) تقدم.

<<  <  ج: ص:  >  >>