للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أصحُّهما، عند الإمام وصاحبِ "التهذيب": لا؛ لأن مَنَافِعَهُ قد صارَتْ مستوفاةً مستهلكة.

والثاني: وبه أجاب ابنُ الصبَّاغ وآخرون: نعم؛ لأن جميع المعْقُود علَيْه لم يُسلَّم له. فإنْ قلْنا: له الفسْخُ، وفسخ، فالرجوع إلَى أُجْرة المثل.

وإنْ قلنا: لا، فسخ له، أو أجاز، وجَبَ قَسْطُ ما مضَى من المسمى، والتوزيعُ عَلَى قيمة المنفعة، وهِيَ أجرةُ المِثْل، لا عَلَى نفْس الزَّمان، وأجْرَةُ المثل تختلف، فربما تزيد أجرةُ شهرٍ على أجرةِ شهرَيْن؛ لكثرة الرغَبَات في ذلك الشَّهْر، فلو كان مدَّة الإجارة سنةً وقد مضَتْ منها ستةُ أَشْهُرِ، لكنَّ أجرة المثل فيها ضِعْفُ أجرة المثل في السنة الباقيَة، وجَبَ في المسمَّى ثُلْثَاه، وإن كان بالعكْسِ، فثلُثُه، وتفاوُتُ الأجرة في المدتَيْن كتفاوُت القيمة في العبْدَيْن، إذا قُبِض أحدهما، وتلف الآخرُ عنْد البائع، وإذا أثبَتْنَا الخيار بسبب عيْب، وانفسخ العقْدُ في المستقبل بفسخه، ففي انفساخه في الماضي الطريقان، فإنْ لم ينْفَسِخْ، فسبيل التوزيع ما بيَّنَّاه، وإنْ أجازه، فعليه الأجرةُ المسمَّاة بتمامها، كما لو رَضِيَ بعَيْبِ المبيع، يلزمه جميع (١) الثمن، وهذا ما ذكره صاحب الكتاب في الفَصْل السَّابق أنَّه مَهما أجاز، أجازَ بجميع الأُجْرة إلى آخره.

وأراد بقَوْله: "رجَع إلى أجرة الباقي" الأجرة المسماة.

وقوله: "واستقر ما [استوفاه] (٢) على الأصح" يعن الأصح من القولين، وعلى القول الثاني، لا يستقر شيْءٌ من المسمَّى، لتعدِّي الانفساخ إلى الماضي، ولا فَرْق بين أن يحْصُل التلَفُ بآفة سماويةٍ، أو بفعل المكْتَرِي، بل لو قتل العبْد والدابَّة المعيَّنة، كان حكم الانفساخ والأجرةِ عَلَى ما ذكرناه، ويلزمه قيمةُ ما أتْلَف.

وعن ابن أبي هُرَيْرة؛ أنه يستقرُّ عليه الأجرة المسمَّاة بالإتلاف، كما يستقر الثمن علَى المُشْتَري بالاتْلاَف، والمذْهَب الأول؛ لأن البَيْع ورد على العيْنِ، فهذا أتلفها، جُعِل قابضاً، والأجارةُ وردتْ على المنافع (٣) ومنافع الزمان المستقبل معدومةٌ، لا يُتصوَّر


(١) في ب: كمال.
(٢) في ز: استوفى.
(٣) يرى جمهور الفقهاء، ومنهم المالكية، والحنفية، والحنابلة، وأكثر أصحاب الشَّافعي رضي الله عنه، أن مورد عقد الإجارة إنما هو المنفعة، ويرى فريق آخر أن موردها هو العين.
وحجة هؤلاء أن فعل الإجارة إنما يقع على العين، فيقال: آجرتك داري، وأن العين هي الموجودة حين العقد، والعقد لا يضاف إلا إلى موجود.
وحجة الجمهور أن المستوفي بالإجارة إنما هو المنفعة دون العين، وأن الأجرة إنما هي في مقابلة المنفعة، وما كانت الأجرة في مقابلة يكون مورداً للعقد.
وأجابوا عما احتج به الآخرون بأنه إنما أضيف العقد إلى العين؛ لأنها محل المنفعة، لا لأنها =

<<  <  ج: ص:  >  >>