للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .


= وإن لم يأذن لها؛ فلا يصح، وإليه ذهب أبو ثور.
منهم من فرق بين البكر والثيب، فصحح نكاح الثيب؛ وأبطل نكاح البكر، وإلى هذا ذهب داود الظاهري.
ومنشأ الخلاف بينهم أنه وردت أدلة من القرآن، والسنّة، وقد فهم فيها كل فريق ما فهمه، وأخذ الحكم منها حسب ما وصل إليه اجتهادهم، وسأذكر ما تمسك به كل فريق من الأدلة وأوجه دلالتها، ثم أناقش الأدلة لأتوصل بذلك إلى بيان المذهب الراجح حسب قوة دليله.
استدل أبو حنيفة ومن وافقه بالمنقول والمعقول.
أما المنقول: فمن الكتاب قول الله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}. وقوله تعالى: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} وقوله تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} ووجه الدلالة من هذه الآيات: أن الله سبحانه وتعالى أسند النكاح في الآية الأولى والثانية إلى المرأة، والأصل في الإِسناد أن يكون إلى الفاعل الحقيقي، فدل ذلك على صحة النكاح عند مباشرتها العقد بنفسها من غير مباشرة الولي أو إذنه وأما في الآية الثالثة، فإن قوله تعالى: {فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ} صريح في أنها هي التي تفعل في نفسها ما تشاء، ومن ذلك أن تباشر عقد نكاحها.
وأما السنَّة: -فأولاً: ما رواه الجماعة -إلا البخاري- عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِن وَليِّهَا وَالْبكْرُ تَسْتَأذَنُ في نَفْسِهَا وصِمَاتِها إِقرَارُهَا" وفي لفظ مسلم "وَإِذْنُهَا صمَاتُها" وفي لفظ آخر "البِكْرُ تَسْتَأْمَرُ وَإِذْنَهَا سُكُوتُها".
ووجه الدلالة في هذا الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- شارك بينها وبين الولي، ثم قدمها عليه بقوله: "أَحَقُّ بِنَفْسِهَا" وقد صح العقد من الولي فصحة منها أولى، هذا من جهة ومن جهة أخرى، فإن الحديث برواياته يدل صراحة على توقف العقد على رضا المرأة، وليس من المعقول، ولا من المعهود شرعاً أن يقيد رضا شخص في صحة تصرف، ثم يحكم عليه بالفساد إذا باشره بنفسه.
وثانياً: ما ورد في تزوجه -صلى الله عليه وسلم- أم سَلَمة لما بعث إليها يخطبها قالت: "لَيْسَ أَحَد مِن أَوْلِيَائي شَاهِدَاً" فقال عليه الصلاة والسلام: "لَيْسَ أحَدٌ من أَوْلْيَائِكِ شَاهِدٌ ولا غَائِبٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ" ووجه الدلالة من هذا الحديث أنه لم يحضر أحد من أولياء أم سلمة هذا العقد، وهي التي باشرته بنفسها، فدل ذلك على صحة النكاح بمباشرة المرأة العقد، وهو يدل من جهة أخرى على أنه ليس للأولياء حق الاعتراض؛ إذا كان الزوج كفئاً.
وأما المعقول: فقد قالوا فيه: إن المرأة عند مباشرتها العقد بنفسها؛ إنما تصرفت في خالص حقها، وفي من أهل التصرف؛ إذ إنها بالغة عاقلة ولهذا كان لها التصرف في المال، ولها اختيار الأزواج بالاتفاق، وكل تصرف هذا شأنه فهو صحيح، وإنما يطلب الولي بالتزويج كيلا تنسب المرأة إلى الوقاحة.
وقد نوقشت أدلة الحنفية بما يأتي.
فقد قبل لهم في الآيات التي أضيف فيها النكاح إلى المرأة. أن الإِضافة فيها على طريق، الإِسناد المجازي والعلاقة المحلية، وأيضاً فإن لا يكون نصاً في جواز مباشرتها العقد بنفسها، وإنما هو نص في تحصيل العقد لكن بمباشرة من؟ هذا مسكوت عنه، وقد بينت السنّة أنه لا يصح للمرأة =

<<  <  ج: ص:  >  >>