للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال الغزالي: (وَأَمَّا الزَّمَانُ) فَعَمَادُهُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ إِلاَّ فِي حَقِّ الأتُّونِيِّ وَالحَارِسِ فَإِنَّ سُكونَهُمَا بِالنَّهَارِ، وَلاَ يَحِلُّ أنْ يَدْخُلَ في نَوْبَتهَا عَلَى ضَرَّتَها باللَّيْلِ إِلاَّ لِمَرَضٍ مَخُوفٍ، وَأَمَّا بِالنَّهَارِ يَجُوزُ لِغَرَضٍ مُهِمٍّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَرَضٌ، وَقِيلَ النَّهَارُ كَاللَّيْلِ، وَقِيلَ: لاَ حَجْرَ في النَّهَارِ، وَإِنْ خَرَجَ إِلَى ضَرَّتها بِاللَّيْلِ وَمَكَثَ قَضَى مِثْلَ ذَلِكَ من نَوْبَةِ الأُخْرَى، وَإِنْ لَمْ يَمْكُثْ زَمَناً مَحْسُوساً فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَعْصِي وَلاَ يَقْضِي، وَإِنْ دَخَلَ وَوَطِئَ فَقَدْ أَفْسَدَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ في وَجْهٍ فَلاَ يُعْتَدُّ بِهَا، وَفِي وَجْهٍ يَقْضِي الجِمَاعَ فَقَطْ، وَفِي وَجْهٍ يَقْضِي مِثْل تِلْكَ المُدَّةِ وَلاَ يُكلَّفُ الوِقَاعَ لأَنَّهُ لاَ يَدْخُلُ تَحْتَ الاخْتِيَارِ.

قال الرَّافِعِيُّ: عماد القَسْم اللَّيْلُ قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ} [يونس: ٦٧] وقال تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا} [النبأ: ١٠]، والنهار في ذلك تبع فإنه وقت التردُّد والانتشار في الحوائج، ثم له أن يرتب القَسْم على اللَّيْلَة واليوم الذي تليه، وأن يرتب على الليلة واليوم الذي يليها فهذا ما عليه التواريخ الشرعية؛ فإن أول الشهر (١) الليالي، وهذا في حق عامة الناس، وأما من يعمل ويكتسب ليلاً ويسكن نهاراً، كَاْلأتُّونِيِّ والحارس، فعماد القسم في حقه النَّهَارُ، فالليل تابع، والمسافر الذي معه زوجاته، عماد القسم في حقه وقت النزول ليلاً كان أو نهاراً قليلاً كان أو كثيراً؛ لأن الخلوة حينئذٍ تتأتى، قاله في "التهذيب".

إذا تقرر ذلك، فَمَنْ عمادُ القَسْمِ في حقِّه الليلُ لا يجوز أن يَدْخُلَ في نوبة واحدة بالليل على أخرى، وإن كان لحاجة؛ كعيادة وغيرها فالذي نَقَلَهُ المُزَنِيُّ في "المختصر" أن الشَّافعي -رضي الله عنه- قال: "ويعودها في مرضها في ليلة غيرها"، فهو سَهْوٌ عند عامة الأصحاب، قالوا: وإنما قال الشافعيُّ -رضي الله عنه-: "في يومِ غيرها"، ومنهم من أخذ بها، وَجَوَّزَ الدخُولَ على غيرها للحاجة، والظاهر الأول، وجوزوا أن يَدْخُلَ على غيرها؛ للضرورة، وما الضرورة؛ قال في "الشَّامِلِ": هي مثْلُ أن يكونَ منزولاً بها أو تموت، فيحتاج إلى تجهيزها، ومَثَّلَ الشيخ أبو حامد وغيرُهُ الضرورةَ: بالمرض الشديد، ويقرب منه ما نقله صاحب الكتاب: أنه لا يدخل على الضَّرَّة إلاَّ لمرض مَخُوف، قال في "الوسيط": وكذا المرض الذي يمكن أن يكون مخوفاً فيدخل ليتبين الحال.

وفي وجه: لا يدخل إلاَّ إذا تحقَّقَ أنه مَخُوفٌ وإذا دخل على الضَّرَّة؛ لضرورة، فإن مكث ساعة طويلة قضى لصاحبة النَّوْبة مثْلَ ذلك في نوبة التي دخل عليها، وإن لم يمكث إلاَّ لحظةً يسيرةً فلا قَضَاء، وإذا وجب القضاءُ عند الضرورة، وجواز (٢) الدُّخُول


(١) في أ: الأشهر.
(٢) في ب: فجواز.

<<  <  ج: ص:  >  >>