للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ويُسْتَثْنَى ما إذا انصرف وَوَلَّى مُتَحرِّفاً للقتالِ أو مُتَحيِّزًا إلى فِئَةٍ على ما قال [اللهُ] تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ...} الآية.

والمتحرّفُ للقِتَالِ: هو الذي يَنْصَرِفُ ليكمن في موضعٍ، ويهجم، أو يكون في مَضِيقٍ فيتحرّفَ ليتبعه العدُوُّ إلى مَوْضِعٍ واسِعٍ فيسهل القتالُ فيه، أو يرى الصوابَ في التحوُّلِ من الموُضِع الواسِع إلى المضِيق؟ أو يكون في مُقَابلة الشَّمْسِ أو الرِّيح، فيتحول إلى جهة أُخْرى ليسهُلَ عليه القتالُ.

والمتحيِّزُ إلى فِئَةٍ: هو الذي يَنْصَرِفُ على قَصْد أَنْ يذهب إلى طائِفَةٍ يَسْتَنْجِدُ بها في القتال، ولا فَرْقَ بين أَنْ تكون تلك الطائفةُ قَلِيلةً أو كثيرةً، وهل يشترطُ أَنْ تكون قَرِيبةً؟ فيه وجهان:

أَحَدُهما: نَعَمْ، ليتصوّر الاستنجادُ بها في هذا القتال وإتمامه.

وأَصَحُّهما: لا، بل يجوزُ الانصرافُ على قَصْدِ التحيُّزُ إلى الفِئَةِ البَعِيدَةِ -أيضاً- لمطْلَقِ قَوْلِه تعالى: {أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ}.

ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ -رضي الله عنه- قال: "أَنَا فِئَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ" وكان بالمدينَةِ، وجنودُه بالشَّامِ والعِرَاقِ (١)، وعلى هذا فهل يجبُ عليه تحقِيقُ ما عزم بالقِتَالِ مع الفئة التي تحيَّز إليها؟ فيه وجهان:

أَصَحُّهُمَا: وهو المذكورُ في الكتاب -لاَ؛ لأنَّ العزمَ عليه رَخَّصَ له في الانْصِرَافِ، فلا حجرَ عليه بعد ذلك، والجهادُ لا يجبُ قضاؤُه، ولا يلزَمُ بالنذر أيضاً على اختلافٍ سيأتي إِنْ شاء اللهُ تعالى في مَوْضِعه، وفي كلام الإمامِ، أن التحيُّزَ إلى فِئَةٍ أُخْرَى إِنَّمَا يجوزُ إذا اسْتَشْعَرَ الموْلَى عَجْزًا مُحْوِجًا إلى الاسْتِنْجادِ بضعف جند الإِسلام [فإِنْ لم يكن كذلك -فلا حاجةَ إِلَى التحيُّزِ، فإِنَّ تَحَيُّزَهُ قد يقل جُنْدَ الإِسلامِ] (٢).

وقول صاحِب الكتاب في المسْأَلةِ "لا يجوز الانصرافُ من صفِّ القتالِ إِنْ كان فيه انْكِسَارُ المسلمين" يحتمل أَنَّهُ أخذه مما ذكره الإمامُ، ولم يشترطْ غيرهما ذلك، وكأنَّهم رَأَوْا تركَ القِتَالِ، والانهزامَ في الحال؛ مَجْبُورًا بعزمه إلى الاتصالِ بفئةٍ أُخْرى، وكُلُّ واحدٍ مِنَ الأَمْرين: التحرُّف للقتال، والتحيُّز إلى فئةٍ أُخْرَى يتضمنُ العزْمَ على العَوْد إلى القتال؛ والرخصةُ منوطةٌ بعزْم الشَّخْصِ، ولا يمكنُ مُخَادعَةُ الله تعالى في العَزْمِ، ثُمَّ ظاهِرُ الآيةِ يقتضي انحصارَ الاستثناء في حَالَتَيِ التحرُّفِ والتَّحَيُّزِ، والمرادُ حالةُ القدرة


(١) رواه الشَّافعي عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: أن عمر قال: أنا فئة لكل مسلم. ورواه هو وأحمد والترمذي والبيهقي من حديث ابن عمر مرفوعاً.
(٢) سقط من ز.

<<  <  ج: ص:  >  >>