للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الثانية: إذا أَسْلَمَ واحدٌ من رجالِ الكُفارِ الأحرار المكلفين، بعدما وقع في الأَسْرِ وقبل أن يَرَى الإِمَامُ فيه رَأْيَهُ حُرِّمَ قَتْلُهُ. فأما الاستِرْقَاقُ، فقد قال في "المختصر" وفي "السير": فإن أَسْلَمُوا بَعْدَ الأَسْرِ رُقُّوا.


= وأن يطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس وألا يكلفه من العمل فوق طاقته، وغير ذلك مما يضمن للرقيق رفاهة العيش وسعادة الحياة كإنسان قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى} إلى قوله تعالى؛ {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} وجاء في الحديث الشريف:"مَن لَطَمَ مَمْلُوكَهُ أَوْ ضَرَبَهُ فَكَفَّارَتُهُ عتقه، ويروى عن واصل الأحدب، قال سمعت المعرور بن سويد قال لقيت أبا ذر الغفاري بالربذة وعليه حلة وعلى غلام حلة فسألته عن ذلك فقال إني سبيت رجلاً فعيرته بأمه فشكاني إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال لي النبي يا أبَا ذَرٍّ أعَيَّرْتَهُ بأمِّهِ إنَّكَ امْرؤُ فِيْكَ جَاهليَّةٌ إخْوَانُكُمْ خِوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللهُ تَحْتَ أيْديْكم فَمَنْ كان أَخُوهُ تَحْتَ يده فَلْيُطْعمه مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيْلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ ولا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبْهُمْ فإن كلفتموهم فأعينوهم -وروي عن علي كرم الله وجهه أنه أعطى غلامه دراهم ليشتري بها ثوبين متضادتي القيمة فلما أحضرهما أعطاه أرقهما نسيجاً واعلاهما قيمة، وحفظ لنفسه الآخر وقال له أنت أحق مني بأجودهما لأنك شاب وتميل نفسك للتجمل أمَّا أنا فقد كبرت- وقال -صلى الله عليه وسلم- "للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف" قال عبد الله بن عمر: "جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله كَمْ نَعْفُوْ عَنِ الْخَادم "يريد الْمَمْلُوْكِ" فصمَتَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم قال: اعْفُوْا عن الْخَادم كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِيْنَ مَرَّةٍ -وعن ابي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلاً على دابته وغلامه يسعى خلفه فقال يا عبد الله احمله خلفك فإنما هو أخوك روحه مِثْلُ رَوْحِكَ فَحَمَلَهُ، وروي عن بن عباس أن أحد الموالي خطب إلى جماعة، من بني بياضة وأشار عليهم الرسول بترويجه فقالوا له يا رسول الله أنزوج بناتنا موالينا فنزل قوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} ونهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنْ يقولَ السَّيِّد لمَمْلُوكِهِ عَبْدِيْ فَقَالَ: "لاَ يَقُلْ أَحَدُكُمْ عَبْدِيْ أمَتِي وَلْيَقُلْ فَتَاي فتاتي غلامي".
وقال الغزالي في باب حقوق المملوك: "فَأَمَّا مِلْك اليمين فهو يقتضي حقوقاً في المعاشرة لا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاتِهَا فَقَد كان آخر ما أوصى به الرسول -صلى الله عليه وسلم- "اتقوا الله فيما ملكت ايمانكم أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم من العمل ما لا يطيقون فما أحببتم فأمسكوا وما كرهتم فبيعوا ولا تعذبوا خلق الله فإن الله ملككم إياهم ولو شاء لملكهم إياكم".
وجاء في هذا الصدد كثير من الآيات التي تدل على مبلغ عناية الشريعة الإسلامية بالرقيق، ومعاملة مما لم يجيء بمثله دين سماوي أو تشريع وضعي، ومنه يؤخذ أن معاملة الأسرى في الإسلام كانت معاملة رفق ورحمة، وإن ما يتقوله خصومه عليه من هذه الناحية ناشيء إما عن جهالة عمياء بقواعد الإسلام وأصوله أو عن بغض كامن في نفوسهم لهذا الدين الحنيف.
فإن المدنية الحديثة التي يطنطنون بمفاخرها وإن كانت قد تورعت عن رق الأفراد، وعدت ذلك وحشية وهمجية لا تتفق مع الإنسانية، فإنها استساغت رق الشعوب، والأمم، وعاملتهم بمنتهى القسوة والفظاعة وصادرتهم في حرياتهم وأموالهم، وتصرفت في عقائدهم، ودياناتهم وفرضت عليهم قوانينها وأحكامها فرضاً ثم أخذت تطعن على الإسلام لأنه أقر رق الأفراد "سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم".

<<  <  ج: ص:  >  >>