للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لَهُ كَانَتْ تُغَنِّي باللَّيْلِ، فَإِذَا كَانَ وَقْتُ السَّحَرِ، قَالَ: أَمْسِكِي، فَهذَا وَقْتُ الاسْتِغْفَارِ" (١) وحيث ثبتت الكراهةُ، فالسماعُ في الأجنبية أشدُّ كراهةً، وحَكَى القاضي أبو الطيِّب تحْرِيمَهُ، وهذا هو الخلافُ الَّذي سبقَ في أنَّ صوتها هل هو عورةٌ؟ فإن كان في السَّماع منْها خوفُ فتنةٍ، حَرُم لا محالَة، وكذا السماعُ من صبيٍّ يُخَافُ منه الفتنة، هذا هو المشْهور في الغناء وسماعه وحَكَى أبو الفرج الزاز وراءَهُ وجهَيْن:

أحُدَهُمَا: أنه يحْرُم كثيرُه دون قليله.

وثانيهما: أنه حرامٌ على الإِطلاق والحداء وسماعه مباحان، لما فيه من إيقاظ النَّوَّام وتنشيط الإِبل للسير، وقد رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لعَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ -رضي الله عنه-: حَرِّكْ بالْقَوْم فَانْدَفَعَ يَرْتَجِزُ (٢) وتحسينُ الصوْتِ لقراءةِ القرآن جائزٌ، بل مندوبٌ إلَيْهِ، رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "زَيِّنُوا القُرْآنَ بِاَصْوَاتِكُمْ" (٣) وسمع رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- عبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ يقرأ، فقالَ: لَقَدْ أُوتِيَ هَذَا مِزْمَاراً مِنْ مَزْامِيرِ آلِ دَاوُد (٤)، وقَالَ -صلى الله عليه وسلم- "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ" (٥) وحمله الشافعيُّ -رضي الله عنه- علَى تحْسين الصوْت دون الاستغناء، به وتحسينُ الصوت للقرآن بالترتيلِ، وهو التأنِّي في التلاوةِ، وبالحَدْرِ والتَّحْزِين، قال أبو الفرج الزاز: والحَدْر أن يرْفَعَ الصوْتَ مرةً، ويخفضه أخرَى، والتحزينُ أنْ يلين الصوْتَ، وأما القراءةُ بالألْحَان، فقد قَالَ في "المختصر": لا بأس بها، وعن رواية الربيع بن سليمان


= وغيره، ورواه المعافى النهرواني في كتاب الجليس والأنيس، وابن مندة في المعرفة في ترجمة أسلم الحادي في قصة، وروى أبو القاسم الأصبهاني في الترغيب شيئاً من ذلك في قصة.
(١) قال الحافظ في التلخيص: لم أجده موصولاً.
(٢) رواه النسائي من حديث قيس بن أبي حازم عن عمر بن الخطاب، ورواه أيضاً من حديث قيس عن ابن رواحة مرسلاً.
(٣) رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وابن ماجة وابن حبان والحاكم، من حديث البراء بن عازب. قلت: وعلقه البخاري بالجزم، ولابن حنان عن أبي هريرة، وللبزار عن عبد الرحمن بن عوف، وللحاكم من طريق أخرى عن البراء: زينوا أصواتكم بالقرآن، وهي في الطبراني من حديث ابن عباس، ورجح هذه الرواية الخطابي، وفيه نظر لما رواه الدارمي والحاكم بلفظ: زينوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً، فهذه الزيادة تؤيد معنى الرواية الأولى.
(٤) متفق عليه من حديث أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري بنحوه، ورواه الحاكم من حديث بريدة بن الحصيب بلفظ أقرب إلى اللفظ الذي ذكره المصنف.
(٥) رواه البخاري وأحمد من حديث أبي هريرة، وأحمد وأبو داود وابن ماجة، والحاكم وابن حبان من حديث سعد بن أبي وقاص وفي الباب عن ابن عباس وعائشة في الحاكم وعن أبي لبابة في سنن أبي داود قال الشافعي: معنى هذا الحديث تحسين الصوت بالقرآن، وفي رواية أبي داود: قال ابن أبي مليكة: يحسنه ما استطاع، وقال ابن عيينة: يجهر به، وقال وكيع: يستغنى به، وقيل غير ذلك في تأويله.

<<  <  ج: ص:  >  >>