للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بامتناع الرجوع، ولك أن تبحث في قوله: "أما إذا لم يتعرض للتعجيل، ولا علمه المسكين" فنقول: هذا يشمل ما إذا سكت فلم يذكر شيئاً أصلاً، وأَمَّا إذا قال: هذه زكاتي أو صدقتي المفروضة، ولم يتعرض للتعجيل ولا علمه المسكين، فهل يخرج لمخرج الزكاة أن لا يتلفظ بشيء أصلاً؟ وبتقدير أن يجوز فهل الحكم واحد في الحالتين أم بينهما فرق؟

والجواب: أما الأول فقد ذكر صاحب "النهاية" (١) وغيره أن مخرج الزكاة لا يحتاج إلى لفظ؛ لأنه في حكم توفية حق على مستحق. قال: وفي صدقة التطوع تردد، والظاهر الذي به عمل الكافة أنه بحاجة إلى لفظ أصلاً.

وأما الثاني: ففيه طريقان:

أحدهما: أنه إذا قال: "هذه زكاتي" "أو صدقتي المفروضة" كان بمثابة ما لو ذكر التعجيل ولم يصرح بالرجوع.

وأظهرهما: أنه كما لو لم يذكر شيئاً أصلاً، فإن ذكر التعجيل يعرف أنها في الحال غير واجبة. وقوله: "هذه زكاتي" لا يفيد ذلك، والغالب إنما هو الأداء في الوقت. والذي أجاب به العراقيون أنه لا يسترد المالك بخلاف الإمام فإن الإمام قد يستعجل الزكاة في العادة، والملاَّك لا يؤدون قبل دخول وقت الوجوب غالباً، وهذا جرى منهم على طريقتهم التي سبقت. وحكوا في التفريع عليها وجهين في أنه لو كان الطَّارئ موت المسكين، هل للمالك أن يستحلف ورثته على نفي العلم بأنها معجلة؟

عن أبي يحيى البَلْخِيّ أنهم يحلفون لإمكان صدقه، وعن غيره: أنهم لا يحلفون؛ لأن الظاهر من قوله: هذه زكاتي، أنها واجبة في الحال فليس له دعوى خلافه، وشبهوا هذا بالوجهين، فيما إذا رهن وأقر بأنه أقبض ثم ادَّعى بأنه لم يقبض وأراد التحليف عليه. وقوله في أول الفصل الثالث: في الرجوع عند طَرَيَان هذه الأحوال" إشارة إلى أنه لا بد للرُّجُوع من عروض شيء من هذا الخلاف، وليس له أن يسترد المعجل من غير سبب؛ لأنه تبرع بالتعجيل فأشبه ما لو عجل دَيْنَا مؤجلاً لا استرداد له.

قال الغزالي: وَلَوْ تَلَفَ النِّصَابُ بِنَفْسِهِ لَمْ يَمْتَنِعِ الرُّجُوعُ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ.

قال الرافعي: والمسألة من الطوارئ المانعة من وقوع المعجل زكاة تلف النّصاب


(١) وعبارة الإمام مؤدي الزكاة لا يتوقف أداؤه على لفظ وقف وجوبها بأن تسليمها في حكم توفية لما في الذمة، ومريد الهبة والمتجه يتوقف تمليكه على لفظ، وفي تأول الصدقة وجهان: الظاهر أنه لا حاجة إليه حملاً للتطوع على الواجب.

<<  <  ج: ص:  >  >>