للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لم يصح وإن قال: وَكِّلِي عَنِّي أو أطلق فوجهان؛ لأنَّهُ ليس يتعلق بها إلاَّ سفارة بين الولي والوكيل. واعلم أَنَّهُ لو خرج خلاف في تَوْكِيلِ الْمَرْأَةِ، فَالنِّكَاحُ إيجاباً وَقَبُولاً وإن لم تَمْلُكْ تَزْوِيْجَ نَفْسِهَا، ولا غيرها بالولاية لم يكن بعيداً لأن الأخبار لم تتعرض لصورة الوكالة وقد لا يستقل الإِنسان بالشيء ويجيء في توكيله فيه الخلاف كالخلاف في توكيل الْعَبدِ والْفَاسِقِ في إِيْجَاَبِ النِّكَاح مَعَ الْحُكْمِ بأنَّ الْفَاسِقَ لا يلي، ويؤيده أَنَّ الْمَرْأَةَ لا تملك الطَّلاَقَ، وَيجُوزُ أَنْ يُوَكِّلْهَاَ الإنْسَانُ بتطليق زوجته على الأصح وكل ذلك قد مَرَّ في "الوكالة".

واعلم أيضاً أن ما روي عن يونس بن عبد الأعلى أن الشَّافِعِيّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: إذا جمعت الرفقة امرأة لا ولِيّ لها فولت رَجُلاً أمرها حتى زوجها يجوز وليس قولاً في تجويز النكاح بلا ولي؛ لأن أبَا عَاصِمٍ العبادي لما حَكَى هذا النَّصَّ في "طبقات الفقهاء" ذكر أنَّ مِنْ أصحابنا من أَنْكَرَ هذه الرواية، ومنهم قبلها، وقال إنه تحكيم فإن لم تثبت فذاك وإن ثبتت فهذا نكاح بولي وهذا المحكَّم المقام مقام (١) الحاكم.

وإذا جرى الوطء في النِّكَاحِ بلا وَلِيٍّ وجب مَهْرُ الْمِثْلِ، ولم يجب الحد سواء صدر ممن يعتقد تحريمه أو إباحته باجْتِهَادٍ أو تقليد، أو حسَبان مجرد لشبهة اختلاف الْعُلَمَاءُ وتعارض الأَدِلَّةُ إِلاَّ أَنَّ مُعْتَقَدَ التَّحْرِيْمِ يُعَزَّرُ.

وقال أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِي: يجب الْحَدَّ على معتقد التَّحْرِيم، لما رُوِيَ أَنَّهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "لاَ تَنْكِحُ الْمَرْأَةُ المَرْأَةَ وَلاَ نَفْسَهَا إِنَّمَا الزَّانِيَةُ هِيَ الَّتِي تَنْكِحُ نَفْسَهَا" (٢). وإن امرأة كانت في مركب فجعلتَ أمرها إلى رَجُلٍ فزوجها فَجَلَدَ عُمَرُ -


(١) قال النووي: ذكر صاحب "الحاوي" فيما إذا كانت امرأة في موضع ليس فيه ولي ولا حاكم، ثلاثة أوجه. أحدها: لا تزوج. والثاني: تزوج نفسها للضرورة. والثالث: تولِّي أمرها رجلاً يزوجها. وحكى الشاشي أن صاحب "المهذب" وإن يقول في هذا: تحكِّم فقيهاً مجتهداً، وهذا الذي ذكره في التحكيم صحيح بناءً على الأظهر في جوازه في النكاح، ولكن شرط الحكم أن يكون صالحاً للقضاء، وهذا يعتبر في مثل هذه الحال. فالذي نختاره، صحة النكاح إذا ولت أمرها عدلاً وإن لم يكن مجتهداً، وهو ظاهر الذي نقله يونس، وهو ثقة.
(٢) أخرجه ابن ماجة [١٨٨٢] والدارقطني [٣/ ٢٢٧ - ٢٢٨] من طريق ابن سيرين عن أبي هريرة، وفي لفظ: وكنا نقول: إن التي تزوج نفسها هي الزانية، ورواه الدارقطني أيضاً من طريق أخرى إلى ابن سيرين فبين أن هذه الزيادة من قول أبي هريرة، ورواه البيهقي من طريق عبد السلام بن حرب عن هشام عنه بها موقوفاً، ومن طريق محمد بن مروان عن هشام مرفوعاً، قال: ويشبه أن يكون عبد السلام حفظه، فإنه ميز المرفوع من الموقوف.
قال الحافظ: تنبيه: قول الرافعي: ولهذا قال: الزانية هي التي تنكح نفسها، ولم يقل التي تنكح نفسها هي الزانية، يعكر عليه أنه وقع عند الدارقطني بلفظ: إن التي تنكح نفسها هي الزانية.

<<  <  ج: ص:  >  >>