للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ملكه، وجاء آخر، فنصب فيها حديدةً، فوقع إنسانٌ في البئر، وجرحته الحديدةُ، فمات، فلا ضمانَ عَلَى واحدٍ منهما؛ أما الحافرُ، فظاهر، وأما الآخَرُ؛ فِلأَنَّ الوقوع في البئر هو الذي أفضَى إلى الوقوع على الحديدة، فكان حافر البئْر كالمباشر، والآخرُ كالمتسبِّب.

ولو حفر بئرًا في محلِّ عدوانٍ، وسقط الحجر على طرف البئرِ بمجيء السيل به، أو وضعه هناك حربيٌّ، أو سبع، فتعثَّر بالحجر، ووقع في البئر، أو على السِّكِّين، فلا ضمان على أحدٍ، كما لو ألقاه السبع، أو الحربي في البئْرِ، وفي "التتمة" وجه آخر؛ أنه يجب الضمان على عاقلة الحافر؛ لأنه لا وجه للإِهدار، والحافرُ هو المتعدِّي.

ولو حفر بئر عدوانٍ، ونصب آخر في أسْفَلِها سِكِّينًا، فالضمان على عاقلة الحافِرِ، دون ناصب السِّكِّين؛ لأن الحفر هو الذي ألجأه إلى الوقوع على السِّكِّين، هذا هو المشهُور، ويحكَى عن أبي حنيفة، وفي "البيان" وجه أن الضمانَ على ناصب السكينِ؛ لأن التلف حصلَ بوقوعه على السِّكِّين قبل الانصدام بقَعْر البئر، ولو حفر بئرًا قريبةً العمقِ، فعمقها غيره، فضمانُ من تردَّى فيها عَلَى مَنْ يَكونُ؟ فيه وجهان:

أحدهما: يختص بالأول لما مرَّ.

وأظهرهما: أنه يتعلَّق بهما جميعًا؛ لتناسب الجنايتين وتأثره بالانصدام، فعليهما جميعًا، فصار كما لو تعاونا على الحَفْر، وعلى هذا، ففي كيفية شركتهما في الضمان وجهان، حكاهما الشيخ أبو عَلِيٍّ:

أحدهما: التنصيف؛ كما لو مات بجراحاتٍ صدَرَتْ من شخصين.

والثاني: يوزَّع على القَدْرِ الذي حفره كلُّ واحدٍ منهما، حتَّى لو حفر أحدهما عشرين ذراعًا، والآخر ثلاثين ذراعًا، يكون الضمانُ بينهما أخماسًا.

ولو حَفَر بئرًا متعديًا، ثم طَمَّها، وجاء آخر، وأخرج ما طُمَّت به، وتردَّى فيها إنسانٌ، فالضمان يتعلَّق (١) بالأول؛ لأنه المبتدئُ بالتعدي، أو بالثاني؛ لانقطاع أثر الحفر الأولِ بالطَّمِّ؟ فيه وجهان، نقلهما في "البيان" (٢).

ولو وضع رجلٌ حجرًا في الطريق، وآخران حجرًا بجنبه، وتعثَّر بهما إنسانٌ،


(١) في أ: متعلق.
(٢) قال النووي في زوائده: أصحهما الثاني. والله أعلم.
ما صححه جزم به البغوي في فتاويه فقال: لو حفر بئرًا عدوانًا ثم سد رأسها ثم جاء آخر فتحها ثم وقع فيها إنسان فالضمان على من فتح رأسها.

<<  <  ج: ص:  >  >>