للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مرةً واحِدَةً، وبهذا قال مالك، ويدل عليه ما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لِأُنَيْسٍ: "اغْدُ إلى امْرَأَةِ هَذَا، فَإن اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا" علق الرجْم بمُطْلَق الاعتراف، وقال أبو حنيفة: لا يحدُّ، ما لم يُقِرَّ أربع مَراتٍ في أربع مجالس، واعتبر أحمد المراتِ الأربع، ولم يشترطْ أن يكونَ في مجَالِسَ متفرِّقة.

ويُستحبُّ لمن ارتكَبَ كبيرةً توجِبُ حدَّ الله تعالَى أن يستر على نَفْسِه، رُوِيَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- (١) قال: "مَنْ أَتَى مِنْ هَذِهِ القَاذُوراتِ شَيْئًا، فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ، فَإنَّ مَنْ أَبْدَى لَنَا صَفْحَتَهُ، أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدِّ" قال في "التهذيب": ويخالف ما إذا قَتَل أو قَذَفَ، يُسْتَحَبُّ له الإقرارُ؛ ليستوفَى منه القصاص أو حدُّ القذف؛ لما في حقوق الآدميين من التشديد، ويشبه أن يقال: يجب عليه أن يعترفَ، ولا يقتصر على الاستحباب، وقد مَرَّ نحوه في أول اللِّعان، وهل يُسْتحبُّ للشهود [كتمان] (٢) الشهادة في حُدُود الله تعالى؟ فيه وجهان:

أصحهما: لا؛ لئلا تتعطَّل (٣)، وإذا ثبت الحدُّ، لم يجز العفو عنه، ولا الشفاعة،


(١) أخرجه مالك في الموطإ عن زيد بن أسلم: أن رجلاً اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فدعا له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بسوط، الحديث وفيه: ثم قال: أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، فمن أصاب من هذه القاذورات، فذكره وفي آخره: نقم عليه كتاب الله، ورواه الشَّافعي عن مالك، وقال: هو منقطع، وقال ابن عبد البر: لا أعلم هذا الحديث أسند بوجه من الوجوه، انتهى، ومراده بذلك من حديث مالك، وإلا فقد روى الحاكم في المستدرك عن الأصم عن الربيع عن أسد بن موسى عن أنس بن عياض عن يحيى بن سعيد وعبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال بعد رجمه الأسلمي، فقال: "اجتنبوا هذه القاذورات"، الحديث. ورويناه في جزء هلال الحفار عن الحسين بن يحيى القطان عن حفص بن عمرو الربالي عن عبد الوهاب الثقفي عن يحيى بن سعيد الأنصاري به إلى قوله: فليستتر بستر الله، وصححه ابن السكن، وذكره الدارقطني في العلل، وقال: روي عن عبد الله بن دينار مسنداً ومرسلاً، والمرسل أشبه.
(تنبيه) لما ذكر إمام الحرمين هذا الحديث في النهاية، قال: إنه صحيح متفق على صحته، وتعقبه ابن الصلاح فقال: هذا مما يتعجب منه العارف بالحديث، وله أشباه بذلك كثيرة أوقعه فيها أطراحه صناعة الحديث التي يفتقر إليها كل فقيه وعالم.
(٢) في ز: كمال.
(٣) قال في الخادم: حيث قلنا باستحباب الستر وهو ما صححه الرافعي فحله كما قاله الماوردي والروياني فيما إذا لم يتعلق بتركها إيجاب حده على الغير، فإن تعلق به كما لو شهد ثلاثة بالزنا فإن الرابع يأثم بالتوقف ويلزمه الأداء ومثله لو قذف وثم بينة بالفعل أو الإقرار فعليهم الأداء لا محالة وكذا لو شتمه بما يوجب التعزير وطاله المشتوم وعلم عدلان بوقوع ذلك منه يلزمهما الأداء به لطهر الشاتم بل الظاهر أنه يلزمهما الإعلام إن كان جاهلاً بشهادتهما.

<<  <  ج: ص:  >  >>