وَأَمَّا وَزِيرُهُ الصَّفِيُّ فَإِنَّهُ اخْتَفَى، ثُمَّ أُخِذَ وَحُمِلَ إِلَى دَارِ الْوَزِيرِ سَعْدِ الْمُلْكِ، ثُمَّ قُتِلَ فِي رَمَضَانَ وَعُمْرُهُ سِتٌّ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَكَانَ مِنْ بَيْتِ رِئَاسَةٍ بِهَمَذَانَ.
ذِكْرُ وَفَاةِ سُقْمَانَ بْنِ أُرْتُقَ
كَانَ فَخْرُ الْمُلْكِ بْنُ عَمَّارٍ، صَاحِبُ طَرَابُلُسَ، قَدْ كَاتَبَ سُقْمَانَ يَسْتَدْعِيهِ إِلَى نُصْرَتِهِ عَلَى الْفِرِنْجِ، وَبَذَلَ لَهُ الْمَعُونَةَ بِالْمَالِ وَالرِّجَالِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَتَجَهَّزُ لِلْمَسِيرِ أَتَاهُ كِتَابُ طُغْتِكِينَ، صَاحِبِ دِمَشْقَ، يُخْبِرُهُ أَنَّهُ مَرِيضٌ قَدْ أَشَفَى عَلَى الْمَوْتِ، وَأَنَّهُ يَخَافُ إِنْ مَاتَ، وَلَيْسَ بِدِمَشْقَ مَنْ يَحْمِيهَا، أَنْ يَمْلِكَهَا الْفِرِنْجُ، وَيَسْتَدْعِيهُ لِيُوصِيَ إِلَيْهِ، وَبِمَا يَعْتَمِدُهُ فِي حِفْظِ الْبَلَدِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَسْرَعَ فِي السَّيْرِ عَازِمًا عَلَى أَخْذِ دِمَشْقَ، وَقَصْدِ الْفِرِنْجِ فِي طَرَابُلُسَ، وَإِبْعَادِهِمْ عَنْهَا، فَوَصَلَ إِلَى الْقَرْيَتَيْنِ.
وَاتَّصَلَ خَبَرُهُ بِطُغْتِكِينَ، فَخَافَ عَاقِبَةَ مَا صَنَعَ، وَلِقُوَّةِ فَكْرِهِ زَادَ مَرَضُهُ، وَلَامَهُ أَصْحَابُهُ عَلَى مَا فَرَّطَ فِي تَدْبِيرِهِ، وَخَوَّفُوهُ عَاقِبَةَ مَا فَعَلَ، وَقَالُوا لَهُ: قَدْ رَأَيْتَ سَيِّدَكَ تَاجَ الدَّوْلَةِ لَمَّا اسْتَدْعَاهُ إِلَى دِمَشْقَ لِيَمْنَعَهُ كَيْفَ قَتَلَهُ حِينَ وَقَعَتْ عَيْنُهُ عَلَيْهِ.
فَبَيْنَمَا هُمْ يُدِيرُونَ الرَّأْيَ بِأَيِّ حِيلَةٍ يَرُدُّونَهُ أَتَاهُمُ الْخَبَرُ بِأَنَّهُ وَصَلَ الْقَرْيَتَيْنِ، وَمَاتَ، وَحَمَلَهُ أَصْحَابُهُ وَعَادُوا بِهِ، فَأَتَاهُمْ فَرَجٌ لَمْ يَحْسِبُوهُ، وَكَانَ مَرَضُهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ الْخَوَانِيقَ، يَعْتَرِيهِ دَائِمًا، فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ بِالْعَوْدِ إِلَى حِصْنِ كِيفَا، فَامْتَنَعَ، وَقَالَ: بَلْ أَسِيرُ، فَإِنْ عُوفِيتُ تَمَّمْتُ مَا عَزَمْتُ عَلَيْهِ، وَلَا يَرَانِي اللَّهُ تَثَاقَلْتُ عَنْ قِتَالِ الْكُفَّارِ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ، وَإِنْ أَدْرَكَنِي أَجْلِي كُنْتُ شَهِيدًا سَائِرًا فِي جِهَادٍ. فَسَارُوا، فَاعْتُقِلَ لِسَانُهُ يَوْمَيْنِ، وَمَاتَ فِي صَفَرٍ، وَبَقِيَ ابْنُهُ إِبْرَاهِيمُ فِي أَصْحَابِهِ، وَجُعِلَ فِي تَابُوتٍ وَحُمِلَ إِلَى الْحِصْنِ، وَكَانَ حَازِمًا دَاهِيًا، ذَا رَأْيٍ، كَثِيرَ الْخَبَرِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا سَبَبَ أَخْذِهِ لِحِصْنِ كِيفَا.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://shamela.ws/page/contribute