للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فَرَسَهُ - بَرَاءٌ مِنْ تَوَجِّيهِ، وَأَنَّهُمْ أُضْعِفُوا فِي الْعَدَدِ. وَكَانَ قَدْ حَفِيَ فِي مَسِيرِهِ.

فَأَمَرَ خَالِدٌ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ وَالْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو فَأَنْشَبَا الْقِتَالَ، وَالْتَحَمَ النَّاسُ وَتَطَارَدَ الْفُرْسَانُ وَتَقَاتَلُوا، فَإِنَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ قَدِمُ الْبَرِيدُ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَاسْمُهُ مَحْمِيَةُ بْنُ زُنَيْمٍ، فَسَأَلُوهُ الْخَبَرَ، فَأَخْبَرَهُمْ بِسَلَامَةٍ وَأَمْدَادٍ، وَإِنَّمَا جَاءَ بِمَوْتِ أَبِي بَكْرٍ وَتَأْمِيرِ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَبَلَّغُوهُ خَالِدًا، فَأَخْبَرَهُ خَبَرَ أَبِي بَكْرٍ سِرًّا.

وَخَرَجَ جَرَجَةُ إِلَى بَيْنِ الصَّفَّيْنِ وَطَلَبَ خَالِدًا، فَخَرَجَ إِلَيْهِ، فَآمَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، فَقَالَ جَرَجَةُ: يَا خَالِدُ اصْدُقْنِي وَلَا تَكْذِبْنِي، فَإِنَّ الْحُرَّ لَا يَكْذِبُ، وَلَا تُخَادِعْنِي، فَإِنَّ الْكَرِيمَ لَا يُخَادِعُ الْمُسْتَرْسِلَ، هَلْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّكُمْ سَيْفًا مِنَ السَّمَاءِ فَأَعْطَاكَهُ، فَلَا تَسُلَّهُ عَلَى قَوْمٍ إِلَّا هَزَمْتَهُمْ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَفِيمَ سُمِّيتَ سَيْفَ اللَّهِ؟ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ فِينَا نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكُنْتُ فِيمَنْ كَذَّبَهُ وَقَاتَلَهُ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ هَدَانِي فَتَابَعْتُهُ، فَقَالَ: أَنْتَ سَيْفُ اللَّهِ، سَلَّهُ اللَّهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَدَعَا لِي بِالنَّصْرِ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي إِلَى مَا تَدْعُونِي. قَالَ خَالِدٌ: إِلَى الْإِسْلَامِ أَوِ الْجِزْيَةِ أَوِ الْحَرْبِ. قَالَ: فَمَا مَنْزِلَةُ مَنِ الَّذِي يُجِيبُكُمْ وَيَدْخُلُ فِيكُمْ؟ قَالَ: مَنْزِلَتُنَا وَاحِدَةٌ. قَالَ: فَهَلْ لَهُ مِثْلُكُمْ مِنَ الْأَجْرِ وَالذُّخْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَأَفْضَلُ؛ لِأَنَّنَا اتَّبَعْنَا نَبِيَّنَا وَهُوَ حَيٌّ، يُخْبِرُنَا بِالْغَيْبِ وَنَرَى مِنْهُ الْعَجَائِبَ وَالْآيَاتِ، وَحُقَّ لِمَنْ رَأَى مَا رَأَيْنَا وَسَمِعَ مَا سَمِعْنَا أَنْ يُسْلِمَ، وَأَنْتُمْ لَمْ تَرَوْا مِثْلَنَا وَلَمْ تَسْمَعُوا مِثْلَنَا، فَمَنْ دَخَلَ بِنِيَّةٍ وَصِدْقٍ كَانَ أَفْضَلَ مِنَّا. فَقَلَبَ جَرَجَةُ تُرْسَهُ وَمَالَ مَعَ خَالِدٍ وَأَسْلَمَ، وَعَلَّمَهُ الْإِسْلَامَ وَاغْتَسَلَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ مَعَ خَالِدٍ فَقَاتَلَ الرُّومَ.

وَحَمَلَتِ الرُّومُ حَمْلَةً أَزَالُوا الْمُسْلِمِينَ عَنْ مَوَاقِفِهِمْ إِلَّا الْمُحَامِيَةَ، عَلَيْهِمْ عِكْرِمَةُ وَعَمُّهُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، فَقَالَ عِكْرِمَةُ يَوْمَئِذٍ: قَاتَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كُلِّ مَوْطِنٍ، ثُمَّ أَفِرُّ الْيَوْمَ؟ ! ثُمَّ نَادَى: مَنْ يُبَايِعُ عَلَى الْمَوْتِ؟ فَبَايَعَهُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ وَضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ مِنْ وُجُوهِ الْمُسْلِمِينَ وَفُرْسَانِهِمْ، فَقَاتَلُوا قُدَّامَ فُسْطَاطِ خَالِدٍ حَتَّى أُثْبِتُوا جَمِيعًا جِرَاحًا، فَمِنْهُمْ مَنْ بَرَأَ وَمِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ. وَقَاتَلَ خَالِدٌ وَجَرَجَةُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ جَرَجَةُ عِنْدَ آخِرِ النَّهَارِ، وَصَلَّى النَّاسُ الْأُولَى وَالْعَصْرَ إِيمَاءً، وَتَضَعْضَعَ الرُّومُ، وَنَهَدَ خَالِدٌ بِالْقَلْبِ حَتَّى كَانَ بَيْنَ خَيْلِهِ وَرَجْلِهِمْ، فَانْهَزَمَ الْفُرْسَانُ وَتَرَكُوا الرَّجَّالَةَ.

وَلَمَّا رَأَى الْمُسْلِمُونَ خَيْلَ الرُّومِ قَدْ تَوَجَّهَتْ لِلْمَهْرَبِ أَفْرَجُوا لَهَا، فَتَفَرَّقَتْ وَقُتِلَ

<<  <  ج: ص:  >  >>