للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[المستمع فكري لبيب مصري يعمل في المملكة يقول لي هذا السؤال يا فضيلة الشيخ هل قراءة القرآن على القبور تفيد الميت وهل يسمع الأحياء أرجو الإفادة؟]

فأجاب رحمه الله تعالى: قراءة القرآن على القبور ليست من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا هدي أصحابه رضي الله عنهم وعلى هذا فتكون بدعة وأفضل مكان يقرأ فيه القرآن هو بيوت الله المساجد كما قال النبي عليه الصلاة والسلام (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده) وأما القراءة عند القبور فليست من السنة بل هي من البدعة وأما كونها تنفع الميت فإنها لا تنفع الميت لأن البدعة لا تنفع صاحبها ولا غيره ولكن العلماء اختلفوا فيما لو قرأ القارئ قرآناً على غير وجه البدعة ونوى أن يكون ثوابه لشخص معين هل يصل إليه هذا الثواب أو لا يصل؟ فقال بعض أهل العلم إن الأصل في العبادات التوقيف وأنه لا يصل إلى الميت إلا ما دلت السنة على وصوله كالصدقة مثلاً وقضاء الصوم الواجب وقضاء الحج الواجب وما عدا ذلك مما لم ترد به السنة فإنه لا ينفع الميت ولا يصل إليه واستدلوا بقول الله تعالى (وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى) قالوا هذه الآية عامة بأن الإنسان ليس له إلا ما سعى إلا ما جاءت به السنة فيكون ما جاءت به السنة مخصصاً لهذا العموم ونقتصر عليه ولا شك أن هذا القول كما سمعت قول قوي لقوة تعليله ووضوح دليله وقال بعض أهل العلم إن الإنسان إذا عمل طاعة ونوى أن يكون ثوابها لشخص من المسلمين فإن ذلك ينفعه سواء كانت هذه العبادة مما جاءت به السنة أي مما جاءت السنة بجواز جعل ثوابها لشخص معين أم لا وقالوا إن ما جاءت به السنة قضايا أعيان لا عموم لها ولا تمنع من أن يقاس عليها مثلها فإذا كانت السنة جاءت بجواز إهداء ثواب الأعمال لشخص معين في أشياء معينة فغيرها مثلها وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله وقد ذكر فقهاء الحنابلة رحمهم الله كلمة عامة في هذا فقالوا أي قربة فعلها وجعل ثوابها لميت أو حي من المسلمين نفعه ذلك ومع هذا فإني أقول إن خيراً من هذا كله أن يدعو الإنسان للميت فإن دعاءه للميت أفضل من الصدقة له وأفضل من الصيام له وأفضل من العمرة له وأفضل من الطواف له وأفضل من أي عمل صالح يجعله للميت ودليل هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) فهنا قال النبي عليه الصلاة والسلام (أو ولد صالح يدعو له) لم يقل أو ولد صالح يصوم له أو يصلى له أو يقرأ له أو يتصدق له بل قال ولد صالح يدعو له فعدل عن ذكر الأعمال إلى الدعاء مع أن سياق الحديث في ذكر الأعمال فعدوله عن ذكر الأعمال مع أنه مقتضى السياق يدل على أن الدعاء أفضل من جعل ثواب الأعمال للميت وعلى هذا فإني أنصح إخواني أن يجعلوا الأعمال الصالحة لأنفسهم لأنهم هم محتاجون إلى هذه الأعمال وأن يتفضلوا على إخوانهم الأموات بالدعاء فإن هذا هو الأفضل والأجدى والأنفع وأما قول السائل وهل يسمع الميت يعني قراءة الحي أو دعاءه له أو ما أشبه ذلك فهذه مسألة اختلف العلماء فيها فمنهم من قال إن الميت في قبره لا يسمع شيئاً مما يقال عنده حتى السلام عليه لا يسمعه ولا يرده وضعفوا الحديث الذي فيه (أن الرجل إذا وقف على قبر الرجل فسلم عليه وهو يعرفه في الدنيا فإن الله يرد عليه روحه فيرد عليه السلام) مع أن ابن عبد البر صحح هذا الحديث حكاه عنه ابن القيم في كتاب الروح وأقره أقول من العلماء من قال إن الميت لا يسمع شيئاً إلا ما دلت السنة عليه مثل وقوف النبي عليه الصلاة والسلام على القتلى المشركين الذين قتلوا في بدر وألقوا في قليب هناك وقف عليهم فجعل يدعوهم بأسمائهم وأسماء آبائهم (يا فلان بن فلان هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً فإني وجدت ما وعدني ربي حقا) قالوا يا رسول الله كيف تكلِّمُ قوماً قد جيفوا فقال (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم) فأخبر أنهم يسمعون قال (ولكنهم لا يجيبون) وكذلك ما ورد في الحديث الصحيح (أن الميت إذا دفن وتولى عنه أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان يسألانه عن ربه ونبيه ودينه) فقال (حتى إنه ليسمع قرع نعالهم) قالوا فما جاءت به السنة فإنه يجب القول بمقتضاه وأما ما لم تأت به السنة فالأصل أن الموتى لا يسمعون ولكن في الاستدلال بهذا نظر لأن قوله (إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) يعني بذلك موتى القلوب الذين قلوبهم في أكنة مما يدعوهم إليه النبي صلى الله عليه وسلم بدليل أن الرسول عليه الصلاة والسلام ما كان يخرج إلى المقابر يدعو أهل المقابر لدينه وإنما كان يدعو قوماً مشركين لكنهم والعياذ بالله موتى القلوب لا يسمعون هذا هو معنى الآية وعلى هذا فنقول إن ما ورد به السنة من سماع الموتى يجب علينا الإيمان به وما لم تأت به السنة فموقفنا فيه الوقوف ونقول الله أعلم ولكن الدعاء للميت هو الذي شرعه النبي عليه الصلاة والسلام في قوله (أو ولد صالح يدعو له) وكذلك قول المؤمنين الذين جاؤوا من بعد الصحابة يقولون (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) فهذا هو المشروع في حق الأموات أن ندعو الله لهم بالمغفرة والرحمة وما ينفعهم من الدعاء.

***

<<  <  ج: ص:  >  >>