للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المعتزلة والفلاسفة حملت حديث الأحجار والحبوب، والأشجار والنباتات على المجاز وتجرءوا على تأويل معجزة حنين الجزع وقالوا إن حنين جذع النخلة وأنينه قد أسمع للنبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه المختارين سماعا باطنيا وملكوتيا مع أن القول الصحيح سماع أنين ذلك العمود وصياحه ظاهرا بالأذن، وبعض العلماء الذين يشغلون أنفسهم بتأويل هذا القول وتوجيهه ينكرون مثل المعتزلة والفلاسفة أن الجمادات والنباتات والحيوانات يعرفون الله ورسوله وأنها تسبح الله سبحانه وتعالى تسبيحا حقيقيا، لأن أكثر علماء الكلام الذين اختاروا مذهب المعتزلة والفلاسفة حملوا الكلام والصيحة اللذين ظهرا من الجزع على المجاز قطعيا وقالوا، لم يكن فى الجزع شعور حتى يصدر منه صوت، يمكن أن الله-سبحانه وتعالى-أظهر الكلام كمعجزة للنبى صلى الله عليه وسلم فى ذلك الوقت، لأن النطق والكلام والتقديس والتسبيح والخوف والخشية فى حاجة إلى العقل والعقل فى حاجة إلى الحياة والحياة فى حاجة إلى اعتدال مزاج وجوارح وأجهزة مستعدة للنطق والكلام، وإن التسبيح فى قول الله تعالى {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} (الإسراء/٤٤) تسبيح بلسان الحال، وأولوا الخشية التى فى قول الله تعالى {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ‍ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ} (البقرة:٧٤) إنها انقياد وطاعة بناء على فحوى أن الخشية مجاز عن الانقياد وحملوها على الانقياد كما حملوا ما صدر من عمود الحنان من صياح على المجاز.

[مثنوى]

قل ما تقول ما لم يكن من يعلمون ... ولك أن ترد كل ما يقولون

ما أكثر هؤلاء المتشككين ... وهم فى شكهم يعمهون

<<  <  ج: ص:  >  >>