للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

التطهير لنفسه وتزكيتها «فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ» خاصة لأنه هو المنتفع بها.

وقرأ ابن مسعود وطلحة (أزكى) بإدغام التاء في الزاي واجتلاب همزة الوصل في ابتداء، وهي قراءة شاذة لا عبرة بها لما ذكرنا غير مرة أن كل قراءة فيها زيادة حرف أو نقصه أو تبديله لا قيمة لقول من يقول بها «وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ» ١٨ لا إلى غيره فيجازى الدنس على رجسه والمتزكي على طهارته، ثم ضرب الله مثالا آخر للجاهل والمؤمن فقال «وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ» ١٩ وللكافر والمؤمن بقوله «وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ» ٢٠

وللجنة والنار بقوله «وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ» ٢١ ولمن ينتفع بدعوة الرسل ومن لا ينتفع بها بقوله «وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ»

[مطلب في إسماع الموتى:]

وختم هذه الآية العظيمة وكل آيات الله عظيمة، بجملة فعلية تعود لكل من هؤلاء وهي «إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ» إسماعه سماع قبول فيتعظ بما يسمع ويهتدي به، أما الذين لم يشأ إسماعهم فلا تقدر يا أكمل الرسل على إرشادهم لأنهم في حكم الأموات ولذلك قطع رجاءه منهم بقوله «وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ» ٢٢ فكما أن الموتى لا يجيبون الدعوة فكذلك هؤلاء، وهذه الجملة ترشيح للمصرين على الكفر. ولهذا فيكون المعنى لا تحرص يا حبيبي وتجهد نفسك على دعوة قوم مخذولين، قد سبق لهم الشقاء في علم الله «إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ» ٢٣ لهم ومبلغ لا مجبر ولا مسيطر عليهم، فمن سمع منك إنذارك سماع قبول انتفع به وأرشد، ومن أعرض عنه فقد هلك وفسد فاتركه لا تأسف عليه. ولا يرد على هذه مخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم قتلى بدر في القليب، لأن المراد نفي الإسماع بطريق العادة، وذلك على طريق المعجزة وهي خارقة للعادة، وما يدريك أن الله تعالى هو الذي أمره بخطابهم على حجة التبكيت والتوبيخ والتقريع بهم، وبأمثالهم إذ ذاك، لأنه لا ينطق عن الهوى، وما يدريك أن الله أسمعهم كلامه أيضا وأعطاهم قوة الرد عليه وإسماعه جوابهم وهو على كل شيء قدير «إِنَّا أَرْسَلْناكَ» يا سيد الرسل لهؤلاء وغيرهم «بِالْحَقِّ بَشِيراً» بالوعد وإنجازه للطائعين «وَنَذِيراً» بالوعيد

<<  <  ج: ص:  >  >>