للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المعدود في الباطنة قوى، ويسميها المناطقة والمتكلمون العقول العشرة، ولكل واحدة منها كوكب يضيء يدرك به معنى يناسبه سواء في اليقظة أو في النوم.

وقال علماء الصوفية الرؤيا من باب العلم ولكل علم معلوم، ولكل معلوم حقيقة، وتلك الحقيقة صورته، والعلم عبارة عن وصول تلك الصورة إلى القلب وانطباعها فيه، سواء كان في النوم أو في اليقظة، فلا محل له غير القلب، ولما كان عالم الأرواح متقدما في الوجود والمرتبة على عالم الأجسام، وكان الإعداد الرباني الموصل إلى الأجسام موقوفا على توسط الأرواح بينها وبين الحق، وتدبير الأجسام مفوض إلى الأرواح وتعذر الارتباط بين الأرواح والأجسام للمباينة الذاتية الثابتة بين المركب والبسيط، فإن الأجسام كلها مركبة والأرواح كلها بسيطة، فلا مناسبة ولا ارتباط بينهما، وما لم يكن ارتباط لا يحصل تأثير ولا تأثر، ولا إمداد ولا استمداد، فلذلك خلق الله تعالى عالم المنازل برزخا جامعا بين عالم الأرواح وعالم الأجسام ليصبح ارتباط أحد العالمين بالآخر، فيتأتى حصول التأثير والتأثر ووصول الامداد والتدبير، وهكذا شأن روح الإنسان مع جسمه الطبيعي العنصري الذي يدبره ويشتمل عليه علما وعملا. ولما كانت المباينة ثابتة بين روح الإنسان وبدنه، وتعذر الارتباط الذي يتوقف عليه التدبير ووصول المدد اليه خلق الله تعالى لنفسه الحيوانية برزخا بينهما أي بين البدن والروح المفارق، فنفسه الحيوانية في ميزاتها قوة معقولة، فهي بسيطة تناسب الروح المفارق، ومن حيث انها مشتملة بالذات على قوى مختلفة متكثرة منبئة في أقطار البدن متصرفة بتصرفات مختلفة ومحمولة أيضا في البخار الضبابي الذي هو في التجويف الأيسر من القلب الصنوبري يتناسب المزاج المركب من العناصر. فحصل الارتباط والتأثير والتأثر وتأنى وصول المدد، فإذا علمت ما وضحناه لك أعلاه فأعلم أن القوى الخيالية التي في نشأة الإنسان من كونه نسخة من العالم المثالي المطلق كالجزء بالنسبة إلى الكل وكالجدول بالنسبة إلى النهر الذي هو مشروعه، وكما أن طرف الجدول الذي يلي النهر متصل به فكذلك عالم الخيال الإنساني من حيث طرفه الأعلى متصل بعالم المثال، والمثال نوعان مطلق ومقيد، فالمطلق ما حواه العرش المحيط من جميع

<<  <  ج: ص:  >  >>