للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

(...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، بَهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَقَالَ: جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ، وَلَمْ يَشُكَّ.

ــ

قال الإمام: اختلف الناس فى هذه الدعوة قبل القتال، هل يؤمر بها على الإطلاق أو لا يؤمر بها؟ أم يفصل الجواب فيؤمر بها إذا قوتل من لا يعلم وتسقط فى قتال من يعلم؟ وقد قال بعض الناس: إن هذه المسألة مبنية على أن العقل ما خلا من سمع، أو يجوز أن يكون خلا منه، وهى مسألة اختلاف بين أهل الأصول. وقد احتج من يقول؛ لأنه لم يخل من سمع، بقوله تعالى: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجُ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ. قَالُوا بَلَى} (١)، وبقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} (٢) ومن ينكر القول بالعموم لا يسلم هذا الاستدلال. وهذا البناء الذى بناه بعض أهل الأصول فيه نظر، ذلك أن قصارى ما فيه أن ليس بالأرض أمة إلا وقد بلغتها دعوة ما، وقد يكون عند هؤلاء فى الأرض قوم لم يعلموا ظهور النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونبوته، ويظنون أن القتال على جهة تطلب الملك، فيؤمرون بالدعوة.

وقد اختلف الناس - أيضاً - إذا قاتل من يؤمر بدعوته ولم يدعه فقتله، هل عليه ديته أم لا؟ فمذهب مالك وأبى حنيفة: لا دية عليه، ومذهب الشافعى: أنه عليه الدية. وحجتنا: أن النهى عن قتالهم قبل الدعوة لا يوجب مخالفته الدية كقتل النساء والصبيان. قال ابن القصار: ولو أقام المسلم بدار الحرب مختاراً وهو قادر على الخروج منها فوقع - أيضاً - قتله خطأ فإنه لا يودى.

قال القاضى: وفى هذا الحديث جواز استرقاق العرب، ولأن بنى المصطلق من خزاعة، وقد ذكر سبيه ذراريهم وسبيهم، وهو قول مالك وعامة أصحابه وأن الجزية تؤخذ منهم، وقاله الأوزاعى. وقال ابن وهب من أصحابنا: لا تؤخذ الجزية منهم، فتأول عليه أنهم لا يسترقون. وحكى بعض شيوخنا ذلك عن الشافعى وأبى حنيفة، والمعروف عن الشافعى أخذ الجزية منهم، ومنعها أبو يوسف، وقال مثله أبو حنيفة فى أهل الأوثان منهم، قالوا: ما أسلموا أو قتلوا. والأحاديث كلها فى بنى المصطلق وهوازن وبنى العنبر وبنى فزارة وغيرهم يدل على استرقاقهم (٣).

وبنو المصطلق هؤلاء كانوا أهل كتاب على اليهودية، وكانوا من مجاورة المدينة بحيث بلغتهم الدعوة بغير شك. قال القاضى إسماعيل: أمر الله تعالى بقتال العرب عبدة


(١) الملك: ٨، ٩.
(٢) الإسراء: ١٥.
(٣) انظر: الاستذكار ١٣/ ٣١ - ٣٣، التمهيد ٢/ ١١٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>