للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

" لا تكذبوا علىَّ "، وقوله: " من قال علىَّ ما لم أقُل " (١)، وهذه الألفاظ كلها فى الصحيحين، وإذا كان الكذبُ ممنوعاً- فى الشرع جملةً فهو على النبى- عليه السلام- أشد؛ لأن حقَّه أعظم، وحق الشريعةِ آكد، وإباحةُ الكذب عليه ذريعةٌ إلى إبطال شرعه، وتحريف دينه، ومن أجل حديث علىّ والزبير هاب من سمع الحديث أن يُحدّثَ بكل (٢) ما سمع، وقد اعتذر الزبير لأنهما لم يذكرا فى حديثهما " متعمداً " ونحوه فى حديث سلمة بن الأكوع، وترخَّص (٣) من ترخَّص فى الرواية بذكره العمد فى حديث أبى هريرة وأنس والمغيرة بن شعبة، وكرهوا الإكثار توقياً وحذراً من الوقوع فى ذلك بغير قصد، وإن كان الخطأ والنسيان مما لا تُؤاخذ به هذه الأمة، لكن لشدة الأمر، وأنه ليس كغيره من الكذب كما قال- عليه السلام، وتحرّزاً أن يكون فى الإكثار ضرْبٌ من التفريط، والتكلف، وقلة التوقى، فيشبه العمد والقصد، ويقع فى حمى النهى فلا (٤) يُعذَر بالوهم، ولهذا ذمَّ الأئمةُ الإكثار ونَهوا عنه (٥)، وقل ما سلم مكثر من الطعن عليه مع ما فيه من التغرير بمن لا يميز الصحيح من السقيم، كما أشار إليه مسلم- رحمه الله- قبل هذا، مما يبين ما قلناه.

قال الطحاوى: واختلاف هذه الأحاديث بزيادة لفظة الكذب أو نقصها لا يوجب اختلافاً (٦) فى معناها، وإنما هو على التأكيد كما يقال: رأيتُ ذلك بعينى وسمعتهُ بأذنى (٧).


= عقبة بن عامر ٤/ ٣٦٧ عن زيد بن أرقم، ٣/ ٩٨، ١١٣، ١١٦، ١٦٦، ١٧٦، عن أنس رضى الله عنهم أجمعين. والحديث من الأحاديث المتواترة.
(١) أحمد فى المسند ١/ ٦٥، ٢/ ١٥٨، ١٧١، ٣٦٥، ٤/ ١٥٩، ٢٩٧، ٣٠١، ٣٣٤، والحاكم فى المستدرك ١/ ١٠٣، ٣/ ٣٦٢، والطبرانى فى الكبير ١/ ١٣٥، ٧/ ٣٢، والإحسان ١/ ٢٨، ١٥/ ٦٩٨٢، ومشكل ١/ ١٦٨، ١٧١، ١٧٢. عن أبى هريرة والزبير، وأخرجه البخارى فى صحيحه بلفظ: " من يقل " كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عن سلمة، وابن ماجة فى المقدمة ١/ ١٣ بلفظ: " من تقوَّل على ".
(٢) فى الأصل: بما.
(٣) فى الأصل: وترخيص.
(٤) فى ت: ولا.
(٥) من ذلك قول السيدة عائشة لأبى هريرة- رضى الله عنهما-: " أكثرت يا أبا هريرة " الإصابة. ونسبه لابن سعد وجوَّد إسناده، الحاكم فى المستدرك ٣/ ٥٠٩، وقول ابن عمر لسائله: " هل تنكر مما يحدث أبو هريرة شيئاً " فقال: " لا، ولكنه اجترأ وجبنا " الحاكم فى المستدرك ٣/ ٥١٠. وقول رُفيع أبى العالية فيما ذكره الرامهرمزى فى المحدث الفاصل: " إذا حدثت عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فازدهر " أى احتفظ به واجعله من بالك، وحافظ على لفظه، ولا تتشاغل عنه ٥٨٥. وأخرج الحاكم من طريق مالك عن سعد ابن إبراهيم عن أبيه أنَّ عمر بن الخطاب حبس جماعةً مِنْهم أبو هريرة وقال: " أقِلوا الروايةَ عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "، وكانوا فى حبسه إلى أن مات. المستدرك، ك العلم ١/ ١١٠، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبى، كما أخرجه الخطيب فى شرف أهل الحديث ٨٧، والخليلى فى الإرشاد ١/ ٢١٤، والقاضى فى الإلماع ٢١٧ بلفظ: أن عمر بن الخطاب قال لابن مسعود ولأبى الدرداء ولأبى ذر: " ما هذا الحديثُ عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وأحسبُه حبَسَهُم حتى أصيب. قال القاضى: " يعنى حبَسهم منعهم الحديث، ولم يكن لعمر حبس ".
(٦) فى ت: خلافاً.
(٧) مشكل الآثار ١/ ١٧٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>