للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

قد كان ذلك، فلما كان فى عهد عمر - رضى الله عنه - تتابع الناس فى الطلاق، فأجازه عليهم "، وفى كتاب أبى داود نحو هذا عن أبى الصهباء، إلا أنه قال: " كان الرجل إذا طلق امرأته قبل أن يدخل بها، جعلوه واحدة قال الإمام: طلاق الثلاث فى مرة واحدة واقع لازم عند كافة العلماء، وقد شذ الحجاج بن أرطاة وابن مقاتل فقالا: لا يقع، وتعلقا فى ذلك بمثل هذا الخبر، وبما قلناه؛ أنه واقع فى بعض الطرق أن ابن عمر طلقها ثلاثاً فى حيض، لكنه لم يحتسب به، وما وقع فى حديث ركانة أنه طلقها ثلاثاً، وأمره رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برجعتها.

والرد على هؤلاء قوله تعالى: {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} (١)، يعنى أن المطلق قد يكون له ندم، فلا يمكن تلافيه لوقوع البينونة، فلو كانت الثلاث لا تقع أصلاً، لم يكن طلاق يبتدأ يقع إلا رجعياً فلا معنى للندم. وأما حديث ركانه فصحيحة أنه طلق امرأته البتة فأتى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: إلا واحدة، فقال: " ما أردت؟ قال: واحدة. قال: " آلله قال: والله، قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هو على ما أردت " فلو كانت الثلاث لا تقع، لم يكن لتحليفه معنى، وهذه الرواية أصح من روايتهم؛ أن ركانة طلق امرأته ثلاثاً؛ لأن رواتها أهل بيت ركانة وهم أعلم بقصة صاحبهم.

وإنما روى الرواية الأخرى بنو رافع ولم يسمَّوا، ولعلهم سمعوا أنه طلقها البتة، وهم يعتقدون أن البتة هى الثلاث، كرأى مالك فيها، فعبروا عن ذلك بالمعنى، وقالوا: طلقها ثلاثاً، لاعتقادهم أن البتة هى الثلاث.

وأما حديث ابن عمر، فقد ذكرنا أن الصحيح منه أنها واحدة، وقد ذكر مسلم من طريقتين.

وأما قول ابن عباس: " كان الطلاق الثلاث واحدة، على عهد النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فقال بعض العلماء البغداديين: المراد به أنه كان المعتاد فى زمن النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تطليقة واحدة، وقد اعتاد الناس الآن التطليق بالثلاث، فالمعنى: كان الطلاق الموقع الآن ثلاثاً، يوقع واحدة فيما قبل، إنكاراً لخروجهم عن السنة.

ورواية أبى الصهباء فى أحد الطريقين: " تعلم أنها كانت الثلاث تجعل واحدة " يحتمل - أيضاً - هذا المعنى الذى قاله هؤلاء، وإن كان هذا اللفظ الثانى أبعد من الأول قليلاً لقوله: " كانت الثلاث تجعل واحدة "، ولكن يصح أن يريد: كانت الثلاث الموقعة الآن تجعل واحدة، بمعنى: يوقع واحدة.

وقال آخرون: يمكن أن يكون المراد به فيمن كرر لفظ الطلاق، فقال: أنت طالق،


(١) الطلاق: ١.

<<  <  ج: ص:  >  >>