للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الأَدِيمِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا تَعْجَلْ، فَإِنَّ أَبَا بَكْر أَعْلَمُ قُرَيْشٍ بِأَنْسَابِهَا، وَإِنَّ لِى فِيهِمْ نَسبًا، حَتَّى يُلَخِّصَ لَكَ نَسَبِى "، فَأَتَاهُ حَسَّانُ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ لَخَّصَ لِى نَسَبَكَ، وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعَرَةُ مِنَ الْعَجِيَنِ.

قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِحَسَّانَ: " إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لاَ يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ، مَا نَافَحْتَ عَنِ اللهِ وَرَسُولِهِ ".

ــ

" ولم يقرب عجائزك المجد ".

وقوله: " لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من الخمير ": يريد: العجين المخمر، وقد قال فى رواية أخرى: " العجين " يريد: لاتلطفن فى تخليص نسبك منهم حتى لا يغمك هجوى لهم، ولا يلحق [بك سبى] (١) إياهم، كما يتلطف فى إخراج الشعرة من العجين؛ لئلا ينقطع فيبقى فيه. وخص الخمير لأنه ألين وأهيأ لإخراج الشعرة منه من الفطير لقرحته وشدة عجينه.

وقوله: " اهجهم، فهى أشد عليهم من رشق النبل " بفتح الراء، هو رميها، والاسم من ذلك بكسر الراء، وهو رمى السهام على يدٍ واحدة، لا يتقدم منها شىء على الآخر.

وفيه جواز هجو المشركين وأذاهم بكل ما يقدر عليه، وجواز سبهم وشتمهم فى وجوههم وظهورهم. وأنه لا غيبة فى كافر، ولا فاسق معلن بفسقه.

وأمر النبى - عليه الصلاة والسلام - بذلك وتوجيهه فيهم وأنه لم يرضه قول بعضهم حتى وجه لحسان فكلمه (٢) فى طلب النكاية فيهم، وكف أذاهم بهجوهم المسلمين إذا علموا أنهم يجازون على قولهم، ويجابون عن أشعارهم، وإلا فلم يكن - عليه الصلاة والسلام - فحاشاً، ولا يأمر بالفحش، لكن لما ذكرناه من كف أذاهم ونكايتهم بذلك، وقد قال تعالى: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} (٣): ولذلك يجب ألا يبتدأ المشركين بالسب والهجاء مخافة هذا، وتنزيهاً لألسنة المسلمين (٤) عن الفحش، إلا أن يدعوا إلى ذلك ضرورة لابتدائهم به لكف أذاهم ومجازاتهم.

وقوله: " قد آن لكم ": أى حان لكم " أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه "


(١) فى ز: تلبسك، والمثبت من ح.
(٢) فى ز: فكلمته، والمثبت من ح.
(٣) الأنعام: ١٠٨.
(٤) فى ح: المؤمنين.

<<  <  ج: ص:  >  >>