للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فَأَسْكَتَ الْقَوْمُ. فَقَلتُ: أَنَا. قَالَ: أَنْتَ، للهِ أَبُوك!

قَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: " تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُوداً عُوداً، فَأَىُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَىُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ

ــ

الشطب وهو قشورها ولحاؤها التى تصنع منه وينصلح لها، ثم يسكنها الناسج الحصير، ويرضها واحداً واحداً، كلما صنع واحدة ونسجها ناوله أخرى.

قال الشاعر:

تدرَّع خرصانٌ بأيدى الشوا ... طب [فى نثرها تدق جماع] (١)

والخرصان: القضبان، فشَبَّه عرض الفتن على القلوب واحدةً بعد أخرى بعرض شَطبِ الحصير على صانعيها، قضيباً قضيباً وشَطْبةً شطبة، وهو معنى قوله: عوداً عوداً، وهكذا معنى الحديث عندى، وهو الذى يدل عليه سياق لفظه وصحة تشبيهه. وقال الهروى: معناه: أنها تحيط بالقلوب، وقال: حصر به القوم: أى (٢) أطافوا به، وقال الليث: حصير الجنب عرق يمتدُّ معترضاً على جنب الدابة إلى ناحية بطنها، شبهها به. قال: وقيل: إنه أراد عرض السجن، والحصير: السجن، قال الله تعالى (٣): {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا} (٤) ومراده: عرض أهل السّجن على قيّمه.

وقوله: " فأىُّ قلب أشربها ": أى حلَّت فيه محل الشراب كقوله تعالى: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} (٥): أى حُب العجل.

وقوله: " نكتت ": أى نقطت، قال ابن دريد: كل نقط فى شىء بخلاف لونه فهو نكت (٦).

وقوله: " على قلبين أبيض مثل الصفا ": ليس تشبيههُ بالصفا لما تقدم من بياضه، لكن أخذ فى وصف آخر من شدته على عقد الإيمان وسلامته من الخلل وأن الفتن (٧) لم تلصق به، ولم تؤثر فيه كالصفا، وهو الحجر الأملسُ الذى لا يعلق به شىء، بخلاف الآخر الذى شبَّهه بالكوز الخاوى الفارغ من الإيمان، كما قيل فى قوله تعالى: {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء} (٨) قيل: لا تعى خيراً.

وقوله: " والآخر أسودُ مُرْباد كالكوز مجخياً "، قال الإمام: وقع تفسير ذلك فى


(١) من ق.
(٢) فى ت: إذا.
(٣) فى ق: الله عز وجل.
(٤) الإسراء: ٨.
(٥) البقرة: ٩٣. والإشراب هو خلط لون بلون، كأنَّ أحد اللونين شرب الآخر وكسى لوناً آخر. وعلى ذلك فمعنى قوله: " أشرب فى قلبه حبه ": أى خالطه، راجع: مرقاة المفاتيح ١٠/ ١١٠.
(٦) قال فى المرقاة: وأصل النكت ضرب الأرض بقضيب فيؤثر فيها.
(٧) والمراد بالفتن هنا: إما البلايا والمحن، أو العقائد الفاسدة والأهواء الباطلة، وقالوا فى ضابطها: كل ما يشغل صاحبه عن الله تعالى. مرقاة، فتح الملهم.
(٨) إبراهيم: ٤٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>