للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بل يكون مضافًا إلى ما بعده بحكم الاسميّة، فتقول: "هذا ضاربُ زيد أمسِ"، و"وحشىُّ قاتلُ حمزةَ يومَ أحد"، بالإضافة، ولا يجوز تنوينه والنصب به، فهو كقولك: "هذا غلامُ زيدٍ"، ولا يجوز: "غلامٌ زيدًا" بالتنوين وإعماله في ما بعده، ولا أن تجمع فيه بين الألف واللام والإضافة، فتقول: "هذا الضاربُ الرجلِ أمس"، كما تقول إذا أردت الحال أو الاستقبال، كما لا تقول: "الغلامُ الرْجلِ". وتقول: "هؤلاء حَواجُّ بيتِ الله أمس" بالخفض لا غير، وتقول: "مررت برجل ضارباه الزيدان"، كما تقول: "أخواه الزيدان".

وذهب الكسائيّ من الكوفيين إلى جواز إعمال اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي، وأن يُقال: "هذا ضاربٌ زيدًا أمس"، واحتجّ بأُمورٍ، منها قوله تعالى: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} (١)، فأعمل "باسط" في "الذراعين"، وهو ماضٍ. ومن ذلك ما حكاه عن العرب: "هذا مارّ يزيد أمس"، فأعملوه في الجارّ والمجرور. ومن ذلك قولهم: "هذا مُعْطِي زيدٍ درهمًا أمس". ومن ذلك قوله سبحانه: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا} (٢). ومن ذلك: "هذا الضاربُ زيدًا أمس"، تَعْمِله إذا كان فيه الألف واللام لا محالة.

والجوابُ؛ أمّا الآية الأولى، وهي قوله تعالى: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} (٣) فحكايةُ حال ماضية، كقوله: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ} (٤)، ثمّ قال: {هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ} (٥)، والإشارة بهذَا إنّما يقع إلى حاضرٍ، ولم يكن ذلك حاضرًا وقتَ الخبر عنه. وأمّا قولهم: "هذا مارٌّ يزيد أمس"، وإنّما أعمله في الجارّ والمجرور، ولم يعمله في مفعول صريح، والجارّ والمجرور يجري مجرى الظرف، والظروفُ يعمل فيها روائحُ الأفعال.

وأمّا ما فيه الألف واللام من نحوِ: "هذا الضارب زيدًا أمس"، فإنّما عمل لأنّ الألف واللام فيه بمعنى "الَّذِي"، واسم الفاعل المتّصل بها بمعنى الفعل، فلمّا كان في مذهب الفعل عمل عمله، فهو اسم لفظًا، وفعلٌ معنىً. وإنّما حُوّل لفظ الفعل فيه إلى الاسم؛ لأن الألف واللام لا يجوز دخولهما على لفظ الفعل، فكان الذي أوجب نقلَ لفظه حكمٌ أوجب إصلاح اللفظ، ومعنى الفعل باقٍ على حاله.

وكان الأخفش يزعم أن المنصوب في قولك: "هذا الضارب زيدًا" إذا كان ماضيًا، إنّما ينتصب كما ينتصب: "هذا الحسنُ الوجهَ" على التشبيه بالمفعول، وليس على المفعول الصريح.


(١) الكهف:١٨.
(٢) الأنعام: ٩٦. وهي قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وغيرُهم. انظر: البحر المحيط ٤/ ١٨٦؛ وتفسير الطبري ١١/ ٥٥٦؛ والنشر في القراءات العشر ٢/ ٢٦٠؛ ومعجم القراءات القرآنية ٢/ ٢٩٨.
(٣) الكهف: ١٨.
(٤) القصص: ١٥.
(٥) القصص: ١٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>