للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والمؤنّث، فيقال: "رجلٌ صَبُورٌ وشَكُورٌ" و"امرأةٌ صبورٌ وشكورٌ". وكذلك قالوا: "امرأةٌ مِعْطارٌ" للّتي تُكْثِر من استعمال الطيب، و"مِذْكارٌ" للّتي عادتُها أن تلد الذكورَ، و"مِئْناثٌ"، للّتي عادتُها أن تلد الإناثَ. وقالوا: "مِنْطِيقٌ" للبليغ، و"مِعْطِيرٌ"، بمعنى العَطّار. وقالوا: "امرأةٌ جَرِيحٌ"، و"قَتِيلٌ". فهذه الأسماءُ إذا جرت على موصوفها، لم يأتوا فيها بالهاء، وإذا لم يذكروا الموصوف، أثبتوا الهاء خَوْفَ اللبس، نحو: "رأيتُ صبورةً، ومعطارةً، وقتيلةَ بني فلانٍ"، فهذا معنى قوله: "ما جرى على اسم"، أي: ما تقدَّمها موصوفٌ.

فأمّا "فَعُولٌ"، و"مِفْعالٌ"، و"مِفْعِيلٌ"، فأمثلةٌ معدولٌ بها عن اسم الفاعل للمبالغة، ولم تَجْرِ على الفعل، فجرت مجرى المنسوب، نحو: "دارع"، و"نابلٍ"، فلم يُدْخِلوا فيها الهاء لذلك. وقد شذّ نحو: "مِعْزابَةِ" إذا كان يعزُب بإبله في المَرْعَى، فيُبْعِدها عن الناس لعِزّته وقُدْرته. ومثلُه "مِطْرابَةٌ" للكثير الطرَبِ، و"مِجْذامَةٌ" للسريع في قطع المَوَدّة.

وأمّا "فَعِيلٌ" بمعنى "مَفْعولٍ"، فنحو: "كَفٍّ خَضِيبٍ"، و"عَيْنٍ كَحِيلٍ"، فإنّه أيضًا يستوي في حذف التاء منه المذكّرُ والمؤنَّثُ؛ وذلك لأنّه معدولٌ عن جهته، إذ المعنى كَفٌّ مخضوبةٌ بالحِنّاء، وعينٌ مكحولةٌ بالكُحْل، فلمّا عدلوا عن "مَفْعول" إلى "فَعيل"؛ لم يُثْبِتوا التاء ليفرقوا بينه وبين ما لم يكن بمعنى "مَفْعول"، من نحو: "كَرِيمَة"، و"جميلة". وقد شبّهوا "فعيلاً" التي بمعنى "فاعل" بالّتي بمعنى "مفعول"، فأسقطوا منها التاء. فمن ذلك قوله تعالى: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} (١)، وهو بمعنى: مُقْتَرِبٍ، شبّهوه بـ "قَتِيلٍ" ونحوه. وقيل: إنّما أُسقطت منه التاء؛ لأنّ الرَّحْمَة والرُّحْم واحدٌ، فحملوا الخبر على المعنى، ويؤيّده قوله تعالى: {هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي} (٢).

فأمّا قولهم: "مِلْحَفَةٌ جديدٌ"، فقال الكوفيون: هي "فَعيلٌ" بمعنى "مَفْعول"، أي: مجدودة، وهي المقطوعة عن المِنْوال عند الفَراغ من نَسْجها. وقال البصريون: هي بمعنى "فاعِلة"، أي: جَدَّتْ. يقال: "جَدَّ الشيء يجِدّ إذا صار جديدًا"، وهو ضدُّ الخَلَق، فسقوطُ الهاء عندهم شاذّ مشبَّهٌ بالمفعول. ومن ذلك "رِيحٌ خَرِيقٌ"، أي: شديدةُ الهُبوب، كأنّها تخرِق الأرض. قال الشاعر [من الوافر]:

كأنّ هُبُوبَها خَفَقانُ رِيحٍ ... خَرِيقٍ بين أعْلامٍ طِوالِ (٣)

ومنه "شاةٌ سَدِيسٌ"، أي: بلغت السنةَ السادسةَ.

[فصل [حكم الفعل المسند إلي الجمع في التذكير والتأنيث]]

قال صاحب الكتاب: وتأنيث الجمع ليس بحقيقي؛ ولذلك اتسع فيما أُسند إليه


(١) الأعراف: ٥٦.
(٢) الكهف: ٩٨.
(٣) تقدم بالرقم ٧٥٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>