للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تنصب الاسم وترفع الخبر كـ "إنَّ"، إلَّا أنّ خبرها مشكوكٌ فيه، وخبرُ "إنَّ" يقينٌ. تقول في الترجّي: "لعلّ زيدًا يقوم"، وفي الإشفاق: "لعلّ بكرًا يضرب". وهذا معناها ومقتضى لفظها لغةً، إلَّا أنّها إذا وردت في التنزيل؛ كان اللفظ على ما يتعارفه الناس، والمعنى على الإيجاب بمعنى "كَيْ"؛ لاستحالة الشكّ في أخبار القديم سبحانه. فمن ذلك قوله تعالى: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (١)، أي: كَيْ تَتَّقُوا. هكذا جاء في التفسير ومثلُه قوله تعالى: {لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} (٢)، والمعنى على أن الله أمر بالعدل والعمل بالشرائع قبل أن يُفاجِىء اليومُ الذي لا رَيْبَ في حصوله. فـ "لَعَلَّ" ههنا إِشفاقٌ. فأمّا تذكير "قريب" وإن كان خبرًا عن مؤنث؛ فإنّ الساعة في معنى البعث والنشور، وكلاهما مذكّرٌ، وعلى إرادة حذف مضاف، أي: مجىء الساعة. وكذلك قوله تعالى: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} (٣)، أي: اذهبا على رَجائكما وطَمَعِكما من فرعون، فالرجاءُ لهما، أي: باشروا أمرَه مباشرةَ من يرجو ويطمع في إيمانه، مع العلم بأن فرعون لا يؤمن، لكنْ لإلزام الحُجّة وقَطع المَعْذِرة. وكذلك قوله تعالى: {وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (٤)، معناه: كي تفلحوا، أي: مَن عمل بالطاعة وانتهى إلى أوامر الله، كان الفَلاحُ مرجوًا له، فاعرفه.

* * *

قال صاحب الكتاب: وقد لمح فيها معنى التمني من قرأ: {فأطلع} (٥) بالنصب وهي في حرف (٦) عاصم.

* * *

قال الشارح: قد قُرئت هذه الآية: {فَاطَّلَعَ} بالرفع عطفًا على {أَبْلُغَ}، وبالنصب كأنّه جوابُ "لَعَلَّ" إذ كانت في معنى التمنّي، كأنّه شبّه الترجّي بالتمنّي، إذ كان كلّ واحد منهما مطلوبَ الحصول مع الشكّ فيه. والفرقُ بينهما أنّ الترجّي توقُّعُ أمر مشكوك فيه أو مظنونٍ، والتمنّي طلبُ أمر موهوم الحصول، وربما كان مستحيلَ الحصول، نحوَ قوله تعالى: {يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ} (٧)، و {يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا} (٨)، وهذا


(١) البقرة: ٢١.
(٢) الشورى: ١٧.
(٣) طه: ٤٣ - ٤٤.
(٤) الحج: ٧٧.
(٥) من قوله تعالى: {لعلّي أبلغ الأسباب * أسباب السماوات فأطّلع إلى إله موسى} [غافر: ٣٦ - ٣٧]. وانظر: البحر المحيط ٧/ ٤٦٥؛ والكشاف ٣/ ٤٢٨؛ والنشر في القراءات العشر ٢/ ٢٦٥؛ ومعجم القراءات القرآنية ٦/ ٤٦.
(٦) أي: في قراءة عاصم.
(٧) الحاقة: ٢٧.
(٨) مريم: ٢٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>