للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الْبَحْرِ، فَمَرَّتُ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمَاهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا؛ فَعَرفُوا الْخَضِرَ فَحَملُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَعَمَدَ الْخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} (١). قَالَ: {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا. قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا} (٢) ثُمَّ خَرَجَا مِنَ السَّفِينَةِ، فَبَيْنَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ إِذَا غُلاَمٌ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ برَأسِهِ، فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ، فَقَتَلَهُ. فَقَالَ مُوسَى: {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نَكْرًا. قَالَ أَلَمْ أَقُلَ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} (٣) قَالَ: وَهَذِهِ أَشَدُّ مِنَ الأُولَى. قَالَ: {إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا. فَانطَلَقَا

ــ

وقصة أبويه، وكله مما لا يعلمه إلا نبى أو ولى صفى بوحى من الله، أو إلهام وبحديث ملك.

وفى فراقهما بعد ثلاث قصص، حجة على أن ثلاثة مجالس أو ثلاث مقالات أو ثلاثة أيام، أو ثلاثة آجال، فى الاعتذارات، والانتظار، والتلوم، والإحسار، والعهد وغير ذلك منها فى ضرب الأجل، وكذلك فى استتابة المرتدين، وتكرار الخصومات مع الوكيل، واجتناب المضرات وأصل الخيار عند بعض العلماء، وإنذار حيات البيوت، والاستئذان، وتشميت العاطس، وأمد المهاجرة، وإقامة المسافر مما جاء منه فى كتاب الله تعالى، وسنة نبيه - عليه الصلاة والسلام - وارتضاه أئمة الفقهاء لمصالح الأمة.

وفى خبرهما جواز الاستطعام والسؤال عند الحاجة، والاستئجار على البناء، وأكل مثل ذلك لقوله: {لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} (٤)، وجواز استئجار السفن لقوله: أدخلونا (٥) بغير نول، فدل على جواز النول.

وفيه إكرام الفاضل، والعالم وخدمته، وجواز محاشاته مما يلزم غيره، وترفيهه عما لا يرق به غيره.

وفيه الحكم بالظاهر فى الأمور حتى يتبين خلافها؛ لقوله: {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّة}.

وفيه إنكار المنكر والشدة فيه، والغلظة على فاعله؛ لقوله: {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا}.

وفيه استقباح الإساءة للمحسن؛ لقوله فى أصحاب السفينة إذ خرقها: " حملونا بغير نول ".


(١) الكهف: ٧١.
(٢) الكهف: ٧٢، ٧٣.
(٣) الكهف: ٧٤، ٧٥.
(٤) الكهف: ٧٧.
(٥) فى ح: حملونا.

<<  <  ج: ص:  >  >>