للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال الشارح: القياس في "دُنْيَا" أن يكون بالألف واللام, لأنّه صفة في الأصل على زنةِ "فُعلَى" ومذكّره "الأدنَى"، مثلُ "الأكبر" و"الكبرى"، وهو من "دَنَوْتُ"، فقلبت الواو في "الأدنى" ألفًا؛ لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، وذلك بعد قلبها ياء لوقوعها رابعة. وقد تقدَّم أن الألف واللام تلزم هذه الصفة، إلّا أنّهم استعملوا "دنيا" استعمالَ الأسماء، فلا يكادون يذكرون معه الموصوف، ولذلك قلبوا اللام منه ياء لضرب من التعادل والعوض، كأنّهم أرادوا بذلك الفرق بين الاسم والصفة، فلمّا غلب عليها حكمُ الأسماء؛ أجروها مجرى الأسماء، وكانت الألف واللام لا تلزم الاسم، فاستعملوها بغير ألف ولام كسائر الأسماء. فأمّا قول العجّاج [من الرجز]:

يومَ ترى النفوسُ ما أَعَدَّتِ ... في سَعْيِ دُنْيَا طالَمَا قد مُدَّتِ

فالشاهد استعمالها نكرة من غير ألف ولام، إجراء لها مجرى الأسماء؛ لكثرة استعمالها من غير تقدّم موصوف. يصف أمر الآخرة، ويُرغب في السعي لها، والسعي يسُتعمل في الخير، والسِّعاية في الشرّ؛ فأمّا "جُلَّى" من قوله [من البسيط]:

وإن دَعَوْتِ إلى جُلَّى ومَكْرُمَةٍ ... يومًا سَراةَ كِرامِ الناسِ فادْعِينا

البيت من شعر الحماسة لبعض بني قَيْس بن ثَعْلَبَةَ، وقيل: إنّه لَبشامَةَ بن حَزْن النَّهْشَلي. والشاهد فيه قوله: "جُلَّى" من غير ألف ولام، ولا إضافه، فالجيد أن يكون مصدرًا، كـ "الرُّجعَى" بمعنى الرجوع، و"البُشْرَى" بمعنى البِشارة، وليس بتأنيث "الأجلّ" على حد "الأكبر"، و"الكبرى"؛ لأنّه إذا كان مصدرًا، جاز تعريفه وتنكيره، فتقول: "بشرته بُشرَى والبشرى"، و"رجعتُه رُجعَى والرُّجعَى"، فلذلك حملناه على المصدر، ولم نحمله على الصفة. يقول إن أشدتِ بذكر خيار الناس لجليلةٍ نابت، أو مكرمةٍ عرضتْ؛ فأشيدي بذكرنا. وظاهرُ هذا الكلام استعطافٌ لها. وسَراةُ القوم: سادتُهم، والجمع السَّرَوات، ورجلٌ سَرِيّ: بين السَّرْوِ، والكِرام هنا: الذين يحمون، ويدفعون الضَّيْم، ومثله ما حكى أن بعضهم قرأ: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} (١) فإن حُمل على الصفة؛ كان شاذًّا، والجيد أن يحمل على المصدر لما ذكرناه من أن المصدر يكون معرفة ونكرة، وكذلك "سُوءَى" من قول أبي الغُول الطهويّ [من الوافر]:

ولا يَجْزُون من حَسَنٍ بسُوءَى ... ولا يجزون من غِلظٍ بلِينِ

الشاهد فيه قوله: "بسوءى"، ويروى على ثلاثة أوجه: بسَوْءٍ، وبسَيْءٍ، وبُسوءَى، فمن رواه: "بسَوء" فهو مصدرُ "ساءَه يَسُوؤُه سَوءًا، وسُوءًا"، وهو نقيضُ "سَرَّه يَسُرَّه سُرُورًا" ومن قال: "بسَيءٍ" جعله صفة، وأصله "سَيِّىءٌ" بالتشديد على حدّ "جيّد"، و"سيّد" وإنّما خفّفه


(١) البقرة: ٨٣. وهي قراءة الحسن والأخفش وغيرهما. انظر: البحر المحيط ١/ ٢٨٥؛ وتفسير الطبري ٢/ ٢٩٣؛ والكشاف ١/ ٧٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>