للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

نحوُ: "أبصرته"، و"شممته"، و"ذُقته"، و"لمسته"، و"سمعته". وكل واحد من أفعال الحواس يقتضي مفعولًا ممّا تقتضيه تلك الحاسةُ، فالبصر يقتضي مُبْصَرًا، والشمّ يقتضي مشمومًا، والسمع يقتضي مسموعًا، فكل واحد من أفعال هذه الحواس يتعدّى إلى مفعول مما تقتضيه تلك الحاسّةُ، تقول: "أبصرت زيدًا"؛ لأنه مما يُبْصَر، ولو قلت: "أبصرتُ الحديث أو القيام"، لم يجز؛ لأنّ ذلك ممّا ليس يُدرَك بحاسّة، وكذلك سائرها.

وذهب أبو علي الفارسي إلى أن "سمعت" خاصة يتعدّى إلى مفعولين، ولا يكون الثاني إلا ممّا يُسْمَع، كقولك: "سمعتُ زيدًا يقول ذاك". ولو قلت: "سمعت زيدًا يضربُ" لم يجز, لأنّ الضرب ليس مما يسمع، فإن اقتصرت على أحد المفعولين، لم يكن إلّا مما يسمع، نحوَ: "سمعت الحديث والكلام". ولا أراه صحيحًا؛ لأنّ الثاني من قولنا: "سمعتُ زيدًا يقول" جملةَ، والجملُ لا تقع مفعولة إلّا في الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر، نحوِ: "ظننت"، و"علمت"، وأخواتهما. و"سمعت" ليس منها، والحق أنه يتعدّى إلى مفعول واحد كأخواته، ولا يكون ذلك المفعول إلّا ممّا يُسْمَع، فإن عدّيته إلى غير مسموع، فلا بد من قرينة بعده من حال أو غيره تدل على أن المراد ما يسمع منه، فإذا قلت: "سمعت زيدًا يقول"، فـ "زيدٌ" المفعول على تقدير حذف مضاف، أي: قولَ زيد، و"يقول" في موضع الحال، وبه عُلم أن المراد قوله.

ومن ذلك قوله تعالى: {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ} (١)، فالمفعول الضمير المتّصل به وهو ضمير المخاطَبين، وحسُن ذلك بقوله: "إذ تدعون"؛ لأنّ به عُلم أن المراد دعاؤهم. فأمّا قوله تعالى: {إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ} (٢)، فلا إشكالَ فيه، لأنّ الدعاء مما يسمع.

فأمّا "دخلتُ البيتَ"، فقد اختلف العلماءُ فيه: هل هو من قبيلِ ما يتعدّى إلى مفعول واحد، أو من اللازم؟ وسببُ الخلاف فيه استعمالُه تارة بحرف جرّ، وتارةً بغيره، نحوُ: "دخلت البيتَ" و"دخلت إلى البيت". والصوابُ عندي أنه من قبيل الأفعال اللازمة. وإنما يتعدّى بحرف الجرّ، نحوَ: "دخلت إلى البيت". وإنما حذف منه حرف الجرّ توسّعًا لكثرة الاستعمال. والذي يدلّ على ذلك أن مصدره يأتي على "فُعُولٍ"، نحوِ: "الدُخُول"، و"فُعُول" في الغالب إنما يأتي من اللازم، نحو: "القعود"، و"الجلوس"، وأن مثله وخلافه غير متعدّ، فـ "دَخَلْت" مثلُ "غبرت"، فكما أن "غبرت" غير متعدّ، فكذلك "دخلت". وخلافُه "خرجت"، وهو لازم أيضًا. وقلّ ما نجد فعلًا متعديا إلّا وخلافُه ومضادّه كذلك، ألا ترى أن "تَحركَ" لازم وضده "سَكَنَ"، وهو كذلك؟ و"اسود" و"ابيضّ" كذلك.


(١) الشعراء: ٧٢.
(٢) فاطر:١٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>