للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الميم لا تكون من زوائد الأفعال. وكذلك لو بنيتَ منه شيئًا على "مُفْعَلٍ"، وهو بناء المفعول، لقلت: "مُقالٌ"، و"مُرادٌ"، و"مُباعٌ"، كما كنت تقول: "يُقال"، و"يُراد"، و"يُباع".

والمصادرُ وأسماء الزمان والمكان بزيادة الميم في أوائلها يكون لفظُها كلفظ المفعول إذا جاوزت الثلاثةَ، لأنّها مفعولاتٌ، نحو قوله تعالى: {أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا} (١)، و {بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} (٢). وكذلك لو بنيت منهما "مَفعِلًا"، لقلت: "مَقِيلًا"، و"مَبِيعًا" ومثلُه "المَسِيرُ". وأصلُ "مَقِيل": "مَقوِل" بكسر الواو، لأنّها بإزاء العين في "مَفْعِلٍ"، فأرادوا إعلالَه لكونه علي بنية الفعل ومنه، فنقلوا كسرة الواو إلى القاف قبلها، فسكنت الواو وانكسر ما قبلها، فقُلبت ياءً، فصار "مَقِيلًا" كما ترى. وأمّا "مَبِيع" و"مَسِير"، فأصلهما الياء، فليس فيهما إلّا نقلُ الكسرة من العين إلى ما قبلها. وأمّا "مَعُونَةٌ" فهو "مَفْعُلَةُ" من "العَوْن"، وأصله: "مَعْوُنَةٌ" بضمّ الواو، فنُقلت الضمّة إلى العين لِما أرادوا من إعلالها, لأنه على وزن الفعل من نحو: "يَخرُجُ" و"يَقتُلُ"، والميم في مقابَلة الياء، والهاء زائدة للتأنيث بمنزلةِ اسم ضُمّ إلى اسم، فلا اعتدادَ بها في البناء.

وقد شذّ نحو: "مَكْوَزَةَ"، و"مَزيَدٍ"، و"مَرْيَمَ"، و"مَدْيَنَ"، والقياس نحو: "مكازة"، و"مزاد"، و"مرام"، و"مدان"، كما قالوا: "مَقالٌ"، و"مَقامٌ"، وذلك أنها أعلامٌ. فـ "مَكوَزَةُ" من لفظ "كُوزٍ"، وقد سمّوا بكُوز من بني ضَبَّة. و"مَزْيَدٌ" من "زادَ يَزِيد"، و"مَرْيَمُ" مَفعَلٌ من "رَامَ يَرِيمُ"، فمَزيَدٌ ومَرْيَمُ أعلامٌ للأناسيّ، و"مَدْيَنُ" اسمُ مكان، والأعلامُ قد كثُر فيها التغيير، نحو: "مَحْبَبٍ"، و"مَوْهَبٍ"، ونظائرِهما.

وقالوا في غير العَلَم: "مَشْوَرَةٌ"، وهي "مَفْعَلَةُ" من "الشُّورَى"، ومنه "شاوَرْتُهم في الأمر". يقال: "مَشورَةٌ" و"مَشوَرَةٌ"، فـ "مَشُورَةٌ" على القياس في الإعلال بنقل الضمّة إلى الشين، و"مَشوَرَةٌ" شاذّ، والقياس: "مَشارَةٌ" كـ"مَقالَةٍ" و"مَعانَةٍ". وقالوا: "وقع الصَّيْدُ في مِصْيَدَتنا". وقرأ قَتادةُ وأبو السِّمال {لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} (٣) وهي "مَفْعَلَةُ" من الثواب، يقال: "مَثْوَبَةٌ" كما قلنا في "مَشْوَرَةٍ"، والقياس: "مَثابَةٌ".

وحكى أبو زيد: "هذا شيءٌ مَطيَبَةٌ للنفس"، و"هذا شرابٌ مَبوَلَةٌ". وهذا في الاسم كـ"اسْتحوذ" و"أَغيَلَتِ المرأةُ" في الفعل، كأنَّهم أخرجوا بعض المعتلّ على أصله تنبيهًا عليه، ومحافظةً على الأصول المُغيَّرة.


(١) المؤمنون: ٢٩.
(٢) هود:٤١.
(٣) البقرة: ١٠٣. وانظر: البحر المحيط ١/ ٣٣٥؛ والكشاف ١/ ٨٦؛ والمحتسب ١/ ١٠٣؛ ومعجم القراءات القرآنية ١/ ٩٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>