للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

والبدل إمّا أن يكون الأوّلَ في المعنى، أو بعضَه، أو مشتمَلًا عليه، أو يكون على وجهِ الغَلَط.

فالأوّلُ: نحوُ قولك: "مررت بأخيك زيدٍ"، و"مررت برجلٍ صالحٍ زيدٍ"، فـ "زيدٌ" هو الأوّل، وقد أبْدَلَه منه للبيان. وذلك لجَوازِ أن يكون قد عرف أنّ له أخا, ولا يعرف أنَّه زيدٌ، أو يعرف زيدًا، ولا يعلم أنّه أخوه. وكذلك يجوز أن يكون يعرف زيدًا، ولا يعلم أنّه رجلٌ صالحٌ، أو يعرف أنّه رجل صالح، ولا يعرف أنّه زيدٌ، فجمع بينهما للبيان.

ومثله قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} (١)، فالصراط الثاني بدلٌ من الأول، وهو هو؛ لأن الصراط المستقيم هو صراطُ المُنْعَم عليهم.

وأمّا الثاني: وهو بدلُ الشيءَ من الشيء، وهو بعضُه، كقولك: "رأيت زيدًا وجهَه"، و"رأيت قومَك أكثرَهم، وثُلُثَيْهِم، وناسًا منهم"، و"صرفتُ وُجوهَها أولِها". فالثاني من هذه الأشياء بعضُ الأوّل، وأبدلتَه منه لُيعلَم ما قصدتَ له، ولِيَتنبّهَ السامعُ، فتثْبِت بقولك: "رأيت زيدًا وجهَه" موضعَ الرؤية منه، فصار كقولك: "رأيت وجه زيدٍ". وكذلك قولُك: "رأيت قومَك أكثرَهم، وثُلُثَيْهِم، وناسًا منهم"، بيَّنتَ مَن رأيتَ منهم. فـ "أكثرهم"، و"ثلثاهم" بعضُهم، وكذلك "ناسًا منهم". قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} (٢) فَـ "مَنْ" في موضعِ خفض؛ لأن المعنى "على من استطاع منهم". وتقول: "بِعْتُ طَعامَك بَعْضَه مَكِيلًا، وبعضَه مَوْزونًا". ويجوز أن ترفع، فتقول: "بعضُه مكيلٌ، وبعضه موزونٌ".

والفرقُ بينهما أنّك إذا نصبتَ، فقد أوقعتَ الفعلَ على البعض منفصِلًا من الآخر، فكأنّك قلت: "هذا البعضُ أسلفتُه بكذا كَيْلًا، وهذا البعضُ أسلفتُه بكذا وَزنًا". وإذا رفعتَ، فإنّما أوقعتَ الفعلَ على جملةِ الطعام الذي من صفته أنّ بعضَه مكيلٌ، وبعضَه موزونٌ. قال الله تعالى: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ} (٣)، فهذا شاهدٌ في الرفع، ومن كلام العرب: "خَلَقَ الله الزَّرافَةَ يَدَيْها أطْوَل من رِجْلَيْها"، فهذا شاهدٌ في النصب، ولو قال: "يداها أطولُ من رجليها"، لجاز. ولا بد فيه من ضميرٍ يُعلّقه بالأول. فأمّا قولهم: "ضربتُ زيدًا اليَدَ والرَّجْلَ"، فالمرادُ: اليدَ والرجل منه، فحُذف الضمير للعلم به.

وأمّا الثالث: فهو بدل الاشتمال، نحوُ قولك: "سُلب زيدٌ ثوبُه"، و"أعجبني عمروٌ


(١) الفاتحة: ٦، ٧.
(٢) آل عمران: ٩٧.
(٣) الزمر: ٦٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>