للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

علْمُه، وحسنُه، وأدبُه"، ونحوُها من المعاني. فالثاني بدلٌ من الأول، وليس إيّاه، ولا بعضَه، وإنَّما هو شيءٌ اشتمَل عليه. والمرادُ بالاشتمال أن يتضمّن الأوّلُ الثانيَ، فيُفهَم من فَحْوَى الكلام أنّ المراد غيرُ المُبْدَل منه. وذلك أنّك لمّا قلت: "أعجبني زيدٌ"، فُهم أنّ المُعجِب ليس زيدًا من حيث هو لَحْمٌ ودَمٌ، وإنّما ذلك معنى فيه.

وعِبْرةُ الاشتمال أن تصحّ العِبارةُ بلفظه عن ذلك الشيء، فيجوز أن تقول: "سُلب زيدٌ"، وأنت تريد ثوبَه، و"أعجبني زيدٌ"، وأنت تريد عِلْمَه وأدبَه ونحوَهما من المعاني. قال الله تعالى: {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ} (١)، فـ "النارُ" بدلٌ لأنّ الأُخدود مشتملٌ عليها. ومثله قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} (٢)، فـ "القتالُ" بدلٌ من "الشهر الحرامِ"، وهو معنًى اشتمل عليه الشهرُ، وسُؤالُهم عن الشهر إنّما كان لأجلِ القتال فيه. ومن ذلك قول عَبْدَةَ بن الطبيب [من الطويل]:

٤٢٥ - فما كان قَيْسٌ هُلْكُه هُلْكُ واحدٍ ... ولكنَّه بُنْيانُ قَوْمٍ تَهَدَّمَا

فهذا يُنشَد على وجهَيْن: بالرفع في "هلك واحد"، والنصبِ. فأمّا الرفعُ فعلى أن تكون الجملةُ خبرًا لـ"كَانَ". وأمّا النصبُ فعلى أن يكون المفردُ خبرًا لـ"كَانَ"، ويكون "هُلْكُه" بدلًا من اسمِ "كان". فأمَّا قول الآخر [من الوافر]:

٤٢٦ - ذَرِينِي إن أمْرَكِ لَنْ يُطاعا ... وما ألفَيْتِنِي حِلْمِي مُضاعا


(١) البروج: ٤ - ٥.
(٢) البقرة: ٢١٧.
٤٢٥ - التخريج: البيت لعبدة بن الطبيب في ديوانه ص ٨٨؛ والأغاني ١٤/ ٧٨، ٢١/ ٢٩؛ وخزانة الأدب ٥/ ٢٠٤؛ وديوان المعاني ٢/ ١٧٥؛ وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ٧٩٢؛ والشعر والشعراء ٢/ ٧٣٢؛ ولمرداس بن عبدة في الأغاني ١٤/ ٨٦.
اللغة: قيس: هو قيس بن عاصم. هلكه: موته.
المعنى: إن موت قيس بن عاصم ليس موتًا لشخص، بل هدمًا لشمل قبيلة، وتقويضًا لبنيانها.
الإعراب: "فما": الفاء: استئنافية، ما: نافية. "كان": فعل ماضٍ ناقص مبني على الفتح. "قيس": اسم "كان" مرفوع بالضمّة. "اهلكه": "هلك": بدل من "قيس" مرفوع بالضمّة، والهاء: ضمير متصل في محلّ جرّ بالإضافة. "هلك": خبر "كان" منصوب بالفتحة وهو مضاف. "واحد": مضاف إليه مجرور بالكسرة. "ولكنه": الواو: للاستئناف، لكن: حرف مشبّه بالفعل، والهاء: ضمير متصل في محلّ نصب اسم "لكن". "بنيان": خبر "لكن" مرفوع بالضمّة وهو مضاف. "قوم": مضاف إليه مجرور بالكسرة. "تهدّما": فعل ماضٍ مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره: هو، والألف: للإطلاق.
وجملة "فما كان قيس هلك": استئنافية لا محلّ لها من الإعراب. وجملة "لكنه بنيان": استئنافية أيضًا لا محلّ لها من الإعراب. وجملة "تهدّم": في محل رفع صفة لـ"بنيان".
والشاهد فيه: سيُبَيّنُه الشارح.
٤٢٦ - التخريج: البيت لعديّ بن زيدٌ في ديوانه ص ٣٥؛ وخزانة الأدب ٥/ ١٩١، ١٩٢، ١٩٣، ٢٠٤؛ =

<<  <  ج: ص:  >  >>